فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 164

وعَن أَبِي الْعَالِيَة: { اِتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا } قَالَ: قُلْت لِأَبِي الْعَالِيَة: كَيْف كَانَتْ الرُّبُوبِيَّة الَّتِي كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ قَالُوا: مَا أَمَرُونَا بِهِ اِئْتَمَرْنَا , وَمَا نَهَوْنَا عَنَّا اِنْتَهَيْنَا ! لِقَوْلِهِمْ: وَهُمْ يَجِدُونَ فِي كِتَاب اللَّه مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا نُهُوا عَنهُ , فَاسْتَنْصَحُوا الرِّجَال , وَنَبَذُوا كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ [1] .

فهل بعد ذلك يجوز تشبيه من قلَّد الأئمة المهديين في اجتهاداتهم بهؤلاء الضالين المضِلِّين ، الذين اتخذوا كتاب الله تعالى وراءهم ظهريًّا ؟؟!!.

معاذ الله أن يخطر هذا ببال مسلم عادي فكيف بطالب علم ؟!!!

وأمَّا الاستدلالُ بالآية الثانية (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا) فباطل كذلك ، لأنها واردة في حق الكفار والمشركين ، وليس بحق المسلمين الموحدين.

انظروا إلى الآيات التي وردت ضمنها هذه الآية: { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) } [الأحزاب/64-68]

والآية لا تحتاج إلى تفسير ، وأما إذا زعم من حرَّم التقليد أنها تشمل المقلدين ، لأنهم تركوا طاعة الله ورسوله واتبعوا الفقهاء ، فهذا الزعم يدلُّ على جهل قائله بالشريعة الإسلامية قرآنًا وسنَّةً ، ومفهوم كلامهم أن الفقهاء تركوا الكتاب والسُّنَّة ، وأتوا بآراء واجتهادات لا أصل لها من الشرع ، ثم قلدهم عامة المسلمين في ذلك ، وهذا القول من أبطل الباطل ، فالفقهاء الذين بلغوا درجة الاجتهاد المطلق كانوا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من كل الذين جاءوا بعدهم ، بل وكانوا أتقى لله تعالى من هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام الذي لا قيمة له .

وكل الآيات التي استدلَّ بها هؤلاء في غير محلِّها ، ولا علاقة لها بالموضوع المستدل به بتاتًا ، وما أشبههم ببعض الفرق التي شذت عن منهج أهل السنة والجماعة ، فراحوا يستدلون بالآيات الواردة في حق الكفار ، وينزلونها على المسلمين الموحدين .

كالذين أنكروا الشفاعة يوم القيامة ، حيث احْتَجَّ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ لِلشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ» (48) سورة البقرة،وَبِقَوْلِهِ: « وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ» (123) سورة البقرة،وَبِقَوْلِهِ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (254) سورة البقرة،وَبِقَوْلِهِ: «وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ» (18) سورة غافر.

أجاب ابن تيمية على أن هذه الآيات يراد بها شَيْئَانِ:

أَحَدُهُمَا:أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ الْمُشْرِكِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَعْتِهِمْ: « مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) [المدثر/42-48] » فَهَؤُلَاءِ نُفِيَ عَنهُمْ نَفْعُ شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا . [2]

وَالثَّانِي:أَنَّهُ يُرَادُ بِذَلِكَ نَفْيُ الشَّفَاعَةِ الَّتِي يُثْبِتُهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَمَن شَابَهَهُمْ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ:مِن أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ لِلْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْقَدْرِ أَنْ يَشْفَعُوا عِنْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَمَا يَشْفَعُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عِنْدَ بَعْضٍ فَيَقْبَلُ الْمَشْفُوعُ إلَيْهِ شَفَاعَةَ شَافِعٍ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً،وَكَمَا يُعَامِلُ الْمَخْلُوقُ الْمَخْلُوقَ بِالْمُعَاوَضَةِ .

فَالْمُشْرِكُونَ كَانُوا يَتَّخِذُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيُصَوِّرُونَ تَمَاثِيلَهُمْ فَيَسْتَشْفِعُونَ بِهَا وَيَقُولُونَ:هَؤُلَاءِ خَوَاصُّ اللَّهِ فَنَحْنُ نَتَوَسَّلُ إلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ لِيَشْفَعُوا لَنَا كَمَا يُتَوَسَّلُ إلَى الْمُلُوكِ بِخَوَّاصِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ إلَى الْمُلُوكِ مِن غَيْرِهِمْ،فَيَشْفَعُونَ عِنْدَ الْمُلُوكِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُلُوكِ،وَقَدْ يَشْفَعُ أَحَدُهُمْ عِنْدَ الْمَلِكِ فِيمَا لَا يَخْتَارُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى إجَابَةِ شَفَاعَتِهِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً . فَأَنْكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ فَقَالَ تَعَالَى: «.. مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..» (البقرة:255) . [3]

ثم قال ابن تيمية:"فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي أَثْبَتَهَا الْمُشْرِكُونَ لِلْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ حَتَّى صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ وَقَالُوا:اسْتِشْفَاعُنَا بِتَمَاثِيلِهِمْ اسْتِشْفَاعٌ بِهِمْ وَكَذَلِكَ قَصَدُوا قُبُورَهُمْ وَقَالُوا:نَحْنُ نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ لِيَشْفَعُوا لَنَا إلَى اللَّهِ وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَعَبَدُوهُمْ كَذَلِكَ،وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ أَبْطَلَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَذَمَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهَا وَكَفَّرَهُمْ بِهَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَن قَوْمِ نُوحٍ:"وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا" (نوح:23-25) . [4] "

ومن الأمثلة التي تدلُّ على تخبط المانعين من التقليد ، ما استدل به ابن حزم رحمه الله في الإحكام على منع التقليد وتابعه من وافقه، قوله -تعالى-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} (170) سورة البقرة [5]

قلتُ: فهل هذه الآية بحق المسلمين أم بحق الكفار المشركين ؟

انظروا إلى موضعها في القرآن الكريم: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) } [البقرة/165، 170]

قال أبو جعفر الطبري: وفي هذه الآية وجهان من التأويل:

أحدهما: أن تكون"الهاء والميم"من قوله:"وإذا قيلَ لهم"عائدة على"من"في قوله:"ومنَ الناس مَن يَتخذُ من دون الله أندادًا"، فيكون معنى الكلام: ومن الناس مَن يَتخذُ من دُون الله أندادًا، وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله. قالوا: بل نتبع ما ألفينا عَليه آباءنا.

والآخر: أن تكون"الهاء والميم"اللتان في قوله:"وإذا قيل لهم"، من ذكر"الناس"الذين في قوله:"يا أيها الناسُ كلوا مما في الأرض حَلالا طيبًا"، فيكون ذلك انصرافًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب، كما في قوله تعالى ذكره: ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) [سورة يونس: 22]

قال أبو جعفر: وأشبه عندي بالصواب وأولى بتأويل الآية أن تكون"الهاء والميم"في قوله:"لهم"، من ذكر"الناس"، وأن يكون ذلك رجوعًا من الخطاب إلى الخبر عن الغائب. لأن ذلك عَقيب قوله:"يا أيها الناس كلوا مما في الأرض". فلأنْ يكون خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن الذين أخبرَ أنّ منهم"مَن يَتخذ من دُون الله أندادًا"، مع ما بينهما من الآيات، وانقطاع قَصَصهم بقصة مُستأنفة غيرها = وأنها نزلت في قوم من اليهود قالوا ذلك، [6] إذ دعوا إلى الإسلام.

عن ابن عباس قال: دَعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهودَ من أهل الكتاب إلى الإسلام ورَغَّبهم فيه، وحذرهم عقاب الله ونقمته، فقال له رَافع بن خارجة، ومَالك بن عوف: بل نَتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فإنهم كانوا أعلم وخيرًا منا! فأنزل الله في ذلك من قولهما"وإذا قيلَ لهُم اتبعوا ما أنزل اللهُ قالوا بَل نتِّبع ما ألفينا عَليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يَهتدون". [7]

ثم قال أخيرا في تفسيرها:"قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذا قيل لهؤلاء الكفار: كلوا مما أحلّ الله لكم، ودَعوا خُطوات الشيطان وطريقه، واعملوا بما أنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - في كتابه - استكبروا عن الإذعان للحقّ وقالوا: بل نأتم بآبائنا فنتَّبع ما وجدناهم عليه، من تحليل ما كانوا يُحلُّون، وتحريم ما كانوا يحرّمون."

قال الله تعالى ذكره:"أوَ لو كانَ آباؤهم"-يعني: آباء هؤلاء الكفار الذين مضوا على كفرهم بالله العظيم-"لا يعقلون شيئًا"من دين الله وفرائضه، وأمره ونهيه، فيُتَّبعون على ما سَلكوا من الطريق، ويؤتمُّ بهم في أفعالهم -"ولا يَهتدون"لرشد، فيهتدي بهم غيرهم، ويَقتدي بهم من طَلب الدين، وأراد الحق والصواب؟

يقول تعالى ذكره لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تَتَّبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمرُكم به ربكم، وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون حقًّا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما يَتّبع المتبعُ ذا المعرفة بالشيء المستعملَ له في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه -فيما هو به جاهل- إلا من لا عقل له ولا تمييز." [8] "

وقال ابن كثبر:"يَقُول تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَة مِن الْمُشْرِكِينَ اِتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُوله وَاتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِن الضَّلَال وَالْجَهْل قَالُوا فِي جَوَاب ذَلِكَ بَلْ نَتَّبِع مَا أَلْفَيْنَا أَيْ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَيْ مِن عِبَادَة الْأَصْنَام وَالْأَنْدَاد ."

قَالَ اللَّه تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ"أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ"أَيْ الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ وَيَقْتَفُونَ أَثَرهمْ"لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ"أَيْ لَيْسَ لَهُمْ فَهْمٌ وَلَا هِدَايَة ." [9] "

وقال القرطبي:"مَسْأَلَة: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَقُوَّة أَلْفَاظ هَذِهِ الْآيَة تُعْطِي إِبْطَال التَّقْلِيد , وَنَظِيرهَا:"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه وَإِلَى الرَّسُول قَالُوا حَسْبنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا" [ الْمَائِدَة: 104 ] الْآيَة ."

وَهَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي قَبْلهَا مُرْتَبِطَة بِمَا قَبْلهمَا , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه سُبْحَانه أَخْبَرَ عَن جَهَالَة الْعَرَب فِيمَا تَحَكَّمَتْ فِيهِ بِآرَائِهَا السَّفِيهَة فِي الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْوَصِيلَة , فَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ أَمْر وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ فَاتَّبَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ , وَتَرَكُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُوله وَأَمَرَ بِهِ فِي دِينه , فَالضَّمِير فِي"لَهُمْ"عَائِد عَلَيْهِمْ فِي الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا .

تَعَلَّقَ قَوْم بِهَذِهِ الْآيَة فِي ذَمّ التَّقْلِيد لِذَمِّ اللَّه تَعَالَى الْكُفَّار بِاتِّبَاعِهِمْ لِآبَائِهِمْ فِي الْبَاطِل , وَاقْتِدَائِهِمْ بِهِمْ فِي الْكُفْر وَالْمَعْصِيَة .

وَهَذَا فِي الْبَاطِل صَحِيح , أَمَّا التَّقْلِيد فِي الْحَقّ فَأَصْلٌ مِن أُصُول الدِّين , وَعِصْمَةٌ مِن عِصَم الْمُسْلِمِينَ يَلْجَأ إِلَيْهَا الْجَاهِل الْمُقَصِّر عَن دَرْك النَّظَر ،وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَوَازه فِي مَسَائِل الْأُصُول عَلَى مَا يَأْتِي , وَأَمَّا جَوَازه فِي مَسَائِل الْفُرُوع فَصَحِيح ." [10] "

وقال الألوسي:"قيل: وفي الآية دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر ، وأما اتباع الغير في الدين بعد العلم- بدليل ما -إنه محقٌّ فاتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى، وليس من التقليد المذموم في شيء وقد قال سبحانه: { فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } [ الأنبياء: 7 ] ." [11]

قلت: والصواب أن الآية لا علاقة لها بما استدلَّ به من منع تقليد الأئمة ، فهو استدلال باطل ، ولا يعوَّل عليه ،لأنه شبه تقليد الأئمة بتقليد الكفار والفجار لآبائهم وأجدادهم ، وهذا لا يقول به عاقل ، قال تعالى: { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) } [القلم/35-36]

بل أخشى على هؤلاء الذين سحبوا هذه الآيات التي وردت بحق الكفار أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون ، فلا يجوز في دين الله تعالى تفسير آية دون الإحاطة بمعانيها والنظر في موقعها في كتاب الله تعالى ، ومعرفة سبب نزولها ، وماذا قال السلف الصالح في تفسيرها ، فعَن جُنْدَُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَن قَالَ فِي كِتَابِ اللهِ بِرَأْيِهِ ، فَأَصَابَ ، فَقَدْ أَخْطَأَ". [12]

قال ابن كثير [13] :"أي: لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ، والله أعلم، وهكذا سمى الله القَذَفة كاذبين، فقال: { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [النور: 13] ، فالقاذف كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه تكلف ما لا علم له به، والله أعلم."

ولهذا تَحَرَّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن أبي مَعْمَر، قال: قال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه: أيّ أرض تقلّني وأي سماء تظلني؟ إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم [14] .

قلت: وكلُّ من شذَّ عن المنهج الوسط استدل بآيات من القرآن أو أحاديث نبوية في غير محلها ، ومن ثم لا يجوز لنا شرعًا أن نسلك هذا المسلك ، لأنه نوعٌ من الافتراء على الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (33) سورة الأعراف.

وقس على ذلك جميع الآيات التي استدل بها ابن حزم ومن سار بركابه .

قلت: وقال ابن حزم رحمه الله: بعد سرد الأدلة على ذمِّ الاختلاف، فإن قيل [15] : إن الصحابة قد اختلفوا وهم أفاضل الناس ـ أفيلحقهم الذم المذكور؟.

قيل: كلا، ما يلحق أولئك شيء من هذا، لأنَّ كلَّ امرئٍ منهم تحرَّى سبيل الله، ووجهته الحقُّ، فالمخطئُ منهم مأجورٌ أجرًا واحدًا لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم، لأنهم لم يتعمدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيبُ منهم مأجور أجرين. وهكذا كلُّ مسلم إلى يوم القيامة فيما خفيَ عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذمُّ المذكور، والوعيد المنصوصُ لمن تركَ التعلق بحبل الله: وهو القرآنُ، وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد بلوغ النصِّ إليه، وقيام الحجةِ عليه، وتعلق بفلانٍ وفلان مقلدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيةٍ، وحميةٍ الجاهلية، قاصدًا للفرقة، متحريًّا في دعواه بردِّ القرآن والسُّنَّة إليها، فإن وافقها النصُّ أخذ به، وإنْ خالفها تعلقَ بجاهلية، وترك القرآن وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهؤلاء هم المختلفونَ المذمومون. وطبقةٌ أخرى وهم قومٌ بلغت بهم رقَّةُ الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءَهم في قولة كل قائل، فهم يأخذونَ ما كان رخصةً في قول كلِّ عاملٍ، مقلِّدين له غير طالبين ما أوجبَه النصُّ عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - انتهى [16]

فالمذموم حسب وجهة نظره هو (وإنما الذمُّ المذكور، والوعيد المنصوصُ لمن تركَ التعلق بحبل الله: وهو القرآنُ، وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد بلوغ النصِّ إليه، وقيام الحجةِ عليه، وتعلق بفلانٍ وفلان مقلدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيةٍ، وحميةٍ الجاهلية، قاصدًا للفرقة، متحريًّا في دعواه بردِّ القرآن والسُّنَّة إليها، فإن وافقها النصُّ أخذ به، وإنْ خالفها تعلقَ بجاهلية، وترك القرآن وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهؤلاء هم المختلفونَ المذمومون)

فمن يخالف ابن حزم في هذا الكلام، فمن انطبقت عليه هذه الشروط ، ليس فقط مذمومًا ، بل نخشى عليه الهلاك وسوء العاقبة ، وآيات الوعيد بلا ريب تتناول هؤلاء لاتحاد العلة بينهم وبين الكفار.

ولكن هل يوجد أحد في أتباع الأئمة الأربعة تنطبق عليه الشروط النادرة ؟.

لا أظن أحدا منهم يفعل ذلك ، لأنه خروج عن سواء السبيل بالاتفاق .

ولكن بما أن هذا الصنف من المقلدين بالكاد أن يوجد منهم ، فلا حاجة لهذا الكلام لأن النادر لا حكم له أصلًا .

ومن ثمَّ فالاستدلال بكلام ابن حزم - رحمه الله - على ذم التقليد- والاختلاف- مطلقًا وتحريمه - هو قول مكذوب مفترى عليه ، فلا بدَّ أن نفهم كلامه عن التقليد في سياقه ، لا أن نذكر بعض قوله الذي يوافق هوانا ، وندع الذي يخالفه .

ولما عذر الصحابة رضي الله عنهم في اختلافهم - والأئمة من هذا القبيل قطعًا- ذم المقلدين بالصفات المذكورة ، فدلَّ على أن المقلد الذي لا تنطبق عليه هذه الصفات المذمومة أو أكثرها فهو معذور ، مأجور على تقليده لأهل العلم ، لأنه عاجز عن معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

وهناك طبقة أخرى تكلم عليها بقوله: ( وطبقةٌ أخرى وهم قومٌ بلغت بهم رقَّةُ الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءَهم في قولة كل قائل، فهم يأخذونَ ما كان رخصةً في قول كلِّ عاملٍ، مقلِّدين له غير طالبين ما أوجبَه النصُّ عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

وهذا الصنف من الناس لا يخالفه أحد في ذمهم ، ولا يقبل إمام من الأئمة أن ينتسبوا إليه أصلًا .

ومن ثمَّ أقول: فإن احتجاج من أجاز التقليد بهاتين الآيتين هو احتجاج صحيح لا معارض له، قال تعالى: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (43) سورة النحل. وبقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (7) سورة الأنبياء.

لأن هاتين الآيتين نصٌّ في محل النزاع .

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 67) وتفسير الطبري - (ج 14 / ص 212) حسن

(2) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 1 / ص 34)

(3) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 1 / ص 34)

(4) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 1 / ص 34)

(5) - الأحكام لابن حزم - (ج 6 / ص 844)

(6) -قال الشيخ أحمد شاكر: يقول أبو جعفر إن أولى الأقوال بالصواب أن تكون الآية نزلت في ذكر عرب الجاهلية الذين حرموا ما حرموا على أنفسهم ، كما ذكر في تفسير الآيتين السالفتين (168 ، 169) ، ويستبعد أن يكون المعنى بها من ورد ذكرهم في الآية (165) ، كما يستبعد قول من قال إنها نزلت في اليهود ، في الخبر الذي سيرويه بعد . فقوله:"وأنها نزلت"عطف على قوله"خبرًا"في قوله:"أولى من أن يكون خبرًا عن الذين أخبر أن منهم من يتخذ . . .".

(7) - تفسير الطبري - (ج 3 / ص 304)

(8) - تفسير الطبري - (ج 3 / ص 307)

(9) - تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 29)

(10) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 416)

(11) - تفسير الألوسي - (ج 2 / ص 96) والوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 271)

(12) - السنن الكبرى للإمام النسائي (8032) حسن

(13) - تفسير ابن كثير - (ج 1 / ص 11)

(14) - فضائل القرآن (ص 227) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (10/ 513) عن محمد بن عبيد عن العوام بن حوشب به.

(15) - الأحكام لابن حزم - (ج 5 / ص 642)

(16) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 3240) رقم الفتوى 7134 و (ج 2 / ص 3255) رقم الفتوى 7158 أقوال العلماء في حديث"اختلاف أمتي رحمة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت