الْمُجْتَهِدُ يُفْتِي بِمُقْتَضَى الأَْدِلَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِالتَّرْتِيبِ الْمُعْتَبَرِ ، فَيُفْتِي أَوَّلًا بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ بِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ بِالإِْجْمَاعِ ، وَأَمَّا الأَْدِلَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا كَالاِسْتِحْسَانِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا ، فَإِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا أَفْتَى بِهِ ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الأَْدِلَّةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِالرَّاجِحِ مِنْهَا .
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي السَّعَةِ بِمَذْهَبِ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ ، مَا لَمْ يُؤَدِّهِ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا هُوَ الْمَرْجُوحُ فِي نَظَرِهِ ، نَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ قُدَامَةَ وَالْبَاجِيُّ [1] ، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ - حَيْثُ قُلْنَا: يَجُوزُ إِفْتَاؤُهُ - فَإِنَّهُ يُفْتِي بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ أَقْوَال الْمُجْتَهِدِينَ ، وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَل عَنْ أَعْلَمِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ لِيَأْخُذَ بِقَوْلِهِ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَرَجِ ، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانَ السَّائِل مِنْهُمْ يَسْأَل مَنْ تَيَسَّرَ لَهُ سُؤَالُهُ مِنَ الْمُفْتِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقِيل: عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الأَْفْضَل لِيَأْخُذَ بِقَوْلِهِ .
أَمَّا مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ اجْتِهَادُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْخِيَارِ يَأْخُذُ مَا شَاءَ وَيَتْرُكُ مَا شَاءَ ، قَال النَّوَوِيُّ: لَيْسَ لِلْمُفْتِي وَالْعَامِل فِي مَسْأَلَةِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَعْمَل بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا بِغَيْرِ نَظَرٍ ، بَل عَلَيْهِ الْعَمَل بِأَرْجَحِهِمَا [2] ، وَإِنْ بَنَى الْمُفْتِي فُتْيَاهُ عَلَى حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِصِحَّتِهِ: إِمَّا بِتَصْحِيحِهِ هُوَ إِنْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، أَوْ يَعْرِفَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الشَّأْنِ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ .
وَإِنْ كَانَ بَنَى فُتْيَاهُ عَلَى قَوْل مُجْتَهِدٍ - حَيْثُ يَجُوزُ ذَلِكَ - فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ مُشَافَهَةً وَجَبَ أَنْ يَتَوَثَّقَ ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: طَرِيقَةُ نَقْلِهِ لِذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ إِلَى الْمُجْتَهِدِ ، أَوْ يَأْخُذَهُ عَنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ تَنَاقَلَتْهُ الأَْيْدِي ، نَحْوِ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهَا مِنَ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَشْهُورِ ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ الْعُلَمَاءَ يَنْقُلُونَ عَنِ الْكِتَابِ ، وَرَأَى مَا نَقَلُوهُ عَنْهُ مَوْجُودًا فِيهِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ، كَمَا لَوْ رَأَى عَلَى الْكِتَابِ خَطَّ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ . [3]
وَلْيَحْذَرْ مِنَ الاِعْتِمَادِ عَلَى كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ غَيْرِ الْمُحَرَّرَةِ . [4]
ــــــــــــــــ
(1) - روضة الناظر 2 / 438، والموافقات 4 / 140، وإرشاد الفحول ص267 .
(2) - المجموع شرح المهذب 1 / 68 .
(3) - حاشية ابن عابدين 4 / 306، وانظر أيضًا المجموع . للنووي 1 / 47 .
(4) - عقود رسم المفتي لابن عابدين ص13 ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين .