قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ بِمَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيهِ سِوَى أَنَّهُ قَوْل مَنْ قَلَّدَهُ ، هَذَا إِجْمَاعُ السَّلَفِ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا . [1]
وَقَال الْجُوَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: مَنْ حَفِظَ نُصُوصَ الشَّافِعِيِّ وَأَقْوَال النَّاسِ بِأَسْرِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ حَقَائِقَهَا وَمَعَانِيَهَا لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَقِيسَ ، وَلاَ يَكُونُ مِنْ أَهْل الْفَتْوَى ، وَلَوْ أَفْتَى بِهِ لاَ يَجُوزُ ، [2] وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي الْمَذْهَبِ مِنَ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ التَّرْجِيحِ لاَ يَلْزَمُهُ الأَْخْذُ بِقَوْل الإِْمَامِ عَلَى الإِْطْلاَقِ ، بَل عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الدَّلِيل وَتَرْجِيحُ مَا رَجَحَ عِنْدَهُ دَلِيلُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ الأَْخْذُ بِأَقْوَال أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ بِتَرْتِيبٍ الْتَزَمُوهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَا شَاءَ [3] وَكَذَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ ، بَل عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَيَّهُمَا أَقْرَبَ إِلَى الأَْدِلَّةِ أَوْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَيَعْمَل بِهِ ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَنَقَل الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ وَسَبَقَهُ إِلَى حِكَايَةِ الإِْجْمَاعِ فِيهِ ابْنُ الصَّلاَحِ وَالْبَاجِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّوَابَ فِي قَوْل غَيْرِ إِمَامِهِ وَكَانَ لَهُ اجْتِهَادٌ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ . [4]
وَلَيْسَ لِلْمُفْتِي الْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ بِالضَّعِيفِ وَالْمَرْجُوحِ مِنَ الأَْقْوَال عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ، بَل نَقَل الْحَصْكَفِيُّ أَنَّ الْعَمَل بِالْقَوْل الْمَرْجُوحِ جَهْلٌ وَخَرْقٌ لِلإِْجْمَاعِ [5] وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنْ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْمُقَلِّدِ الإِْفْتَاءُ بِالضَّعِيفِ وَالْمَرْجُوحِ حَتَّى فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ أَجَازُوا لَهُ الْعَمَل بِالضَّعِيفِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ . [6]
ــــــــــــــــ
(1) - إعلام الموقعين 44 / 195، 198 و1 / 45، ومثله في رسم المفتي لابن عابدين ص11 .
(2) - البحر المحيط للزركشي 6 / 307 .
(3) - حاشية ابن عابدين 4 / 302 و1 / 48 .
(4) - شرح المنتهى 22 / 458، وإعلام الموقعين 4 / 237، وعقود رسم المفتي لابن عابدين ص11 والمجموع 1 / 68 .
(5) - الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين 11 / 51، و2 / 602، والدسوقي على الشرح الكبير 4 / 130، و1 / 20، وإعلام الموقعين 4 / 211، 177 .
(6) - ابن عابدين 1 / 51 وحاشية الدسوقي 4 / 130 .