فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 164

إن العالم هو من فقه في دين الله، والعلم النافع هو ما أورث صاحبه الخشية، ولذلك قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } {فاطر: 28} .

قال ابن مسعود:"كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا , وَكَفَى بِالِاغْتِرَارِ بِهِ جَهْلًا" [2] .

وقال أيضًا: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّ الْعِلْمَ بِالْخَشْيَةِ [3] .

وقال الحسن:"تَعَلَّمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعَلَّمُوا ، فَلَنْ يُجَازِيَكُمُ اللَّهُ عَلَى الْعِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا ، فَإِنَّ السُّفَهَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّوَايَةُ ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّعَايَةُ" [4]

وقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ،"اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمُوا ، فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا" [5] .

وقال في تحفة الأحوذي عن العالم المفضّل على العابد: أَيْ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ وَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِنَشْرِ الْعِلْمِ بَعْدَ أَدَائِهِ مَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ [6] .""

وإن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه، فعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا وَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ [7] .

وقال الشافعي لبعض أصحابه: لَيْسَ الْعِلْمَ مَا حُفِظَ ، الْعِلْمَ مَ مَا نَفَعَ" [8] ."

هذا، وإن للعالم صفات شخصية، منها: حسن السمت والهدي والذل، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « خَصْلَتَانِ لاَ تَجْتَمِعَانِ فِى مُنَافِقٍ حُسْنُ سَمْتٍ وَلاَ فِقْهٌ فِى الدِّينِ » . [9]

وقال بعض السلف: من لم ينفعك لحظه لم ينفعك لفظه.

وعلى ما سبق، فإن العالم ينبغي أن يكون داعية، والداعية يجب أن يكون عالمًا بما يدعو إليه، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف.

وقد بوب البخاري في صحيحه بقوله: باب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ: والذين ذكروا شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدُّوا منها شرط العلم بما يأمر به أو ينهى عنه.

ولكن في الأزمنة المتأخرة غلب اسم العالم على من تصدَّر للتدريس وإفتاء الناس والتزم منهجًا في تعليمهم وسلَّمًا يتدرج بهم عليه.

وغلب لقب الداعية على رجل العامة الذي يخالط الناس ويعطيهم من وقته ويقيم أنشطة غرضها جمع الناس على التمسك بالإسلام واعتزازهم به.

وأمَّا الواعظ، فهو الذي يلهب القلوب بسياط تذكيره، ويغلب على أسلوبه الترغيب والترهيب،ولا شك أن الناس درجات، فمنهم العالم المجتهد المطلق ومنهم المقلد، وبين الدرجتين مراتب، ولقد بحثها الفقهاء في باب الاجتهاد والتقليد من كتب أصول الفقه.

وكذلك دوَّن العلم، وصنفت الكتب، وصار التأليف صنعة لها منهج واصطلاح وظهرت التخصصات العلمية تبعًا لتنوع العلوم، وهناك من أتقنها كلها أو جلها ما بين مستقل ومستكثر، ومنهم من أختصَّ بعلم واحد، والناس أجناس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.والله أعلم.

الباب الثاني

الخلاصة في أحكام التقليد [10]

الفصل الأول ... -أحكام التقليد

الفصل الثاني- أحكام تتبع الرخص

الفصل الثالث ... -الخلاصة في أحكام التلفيق

الفصل الرابع ... -قضايا تتعلق بالتقليد

الفصل الأول

أحكام التقليد

المبحث الأول -تعريف التقليد:

التَّقْلِيدُ لُغَةً: مَصْدَرُ قَلَّدَ ، أَيْ جَعَل الشَّيْءَ فِي عُنُقِ غَيْرِهِ مَعَ الإِْحَاطَةِ بِهِ [11] .

وَتَقُول: قَلَّدْتُ الْجَارِيَةَ: إِذَا جَعَلْتَ فِي عُنُقِهَا الْقِلاَدَةَ ، فَتَقَلَّدَتْهَا هِيَ ، وَقَلَّدْتُ الرَّجُل السَّيْفَ فَتَقَلَّدَهُ: إِذَا جَعَل حَمَائِلَهُ فِي عُنُقِهِ . وَأَصْل الْقَلْدِ ، كَمَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، لَيُّ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ ، نَحْوُ لَيُّ الْحَدِيدَةِ الدَّقِيقَةِ عَلَى مِثْلِهَا ، وَمِنهُ: سِوَارٌ مَقْلُودٌ .

وَفِي التَّهْذِيبِ: تَقْلِيدُ الْبَدَنَةِ أَنْ يُجْعَل فِي عُنُقِهَا عُرْوَةُ مَزَادَةٍ ، أَوْ حِلَقُ نَعْلٍ ، فَيُعْلَمُ أَنَّهَا هَدْيٌ . وَقَلَّدَ فُلاَنًا الأَْمْرَ إِيَّاهُ . وَمِنهُ تَقْلِيدُ الْوُلاَةِ الأَْعْمَال [12] .

وَيُسْتَعْمَل التَّقْلِيدُ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ بِمَعْنَى الْمُحَاكَاةِ فِي الْفِعْل ، وَبِمَعْنَى التَّزْيِيفِ ، أَيْ صِنَاعَةِ شَيْءٍ طِبْقًا لِلأَْصْل الْمُقَلَّدِ . وَكِلاَ الْمَعْنَيَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّقْلِيدِ لِلْمُجْتَهِدِينَ ؛ لأَِنَّ الْمُقَلِّدَ يَفْعَل مِثْل فِعْل الْمُقَلَّدِ دُونَ أَنْ يَدْرِيَ وَجْهَهُ . وَالأَْمْرُ التَّقْلِيدِيُّ مَا يُفْعَل اتِّبَاعًا لِمَا كَانَ قَبْل ، لاَ بِنَاءً عَلَى فِكْرِ الْفَاعِل نَفْسِهِ ، وَخِلاَفُهُ الأَْمْرُ الْمُبْتَدَعُ [13] .

وَيَرِدُ التَّقْلِيدُ فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ:

أَوَّلُهَا: تَقْلِيدُ الْوَالِي أَوِ الْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا ، أَيْ تَوْلِيَتُهُمَا الْعَمَل ، وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: ( تَوْلِيَةٌ ) .

ثَانِيهَا: تَقْلِيدُ الْهَدْيِ بِجَعْل شَيْءٍ فِي رَقَبَتِهِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ .

ثَالِثُهَا: تَقْلِيدُ التَّمَائِمِ وَنَحْوِهَا .

رَابِعُهَا: التَّقْلِيدُ فِي الدِّينِ وَهُوَ الأَْخْذُ فِيهِ بِقَوْل الْغَيْرِ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ . أَوْ هُوَ الْعَمَل بِقَوْل الْغَيْرِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ . [14]

المبحث الثاني -تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ:

التَّقْلِيدُ قَبُول قَوْل الْغَيْرِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ، كَأَخْذِ الْعَامِّيِّ مِنَ الْمُجْتَهِدِ فَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ تَقْلِيدًا ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الإِْجْمَاعِ لَيْسَ تَقْلِيدًا كَذَلِكَ ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ إِلَى مَا هُوَ الْحُجَّةُ فِي نَفْسِهِ [15] .

المبحث الثالث -حُكْمُ التَّقْلِيدِ:

أَهْل التَّقْلِيدِ لَيْسُوا طَبَقَةً مِن طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ ، فَالْمُقَلِّدُ لَيْسَ فَقِيهًا ، فَإِنَّ الْفِقْهَ مَمْدُوحٌ فِي كَلاَمِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالتَّقْلِيدُ مَذْمُومٌ ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَوْعٌ مِنَ التَّقْصِيرِ [16] .

أ - حُكْمُ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ [17] :

التَّقْلِيدُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ فِي الْعَقَائِدِ ، كَوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَوُجُوبِ إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ ، وَمَعْرِفَةِ صِدْقِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْعِلْمِ وَإِلَى طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ ، وَمَعْرِفَةِ أَدِلَّةِ ذَلِكَ . وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ لِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ التَّقْلِيدَ فِي الْعَقِيدَةِ بِمِثْل قَوْله تَعَالَى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} (22) سورة الزخرف ، وَلَمَّا نَزَل قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (190) سورة آل عمران ، قال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: « لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ ، وَيْلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} الآيَةَ كُلَّهَا. » [18] . .

وَلأَِنَّ الْمُقَلِّدَ فِي ذَلِكَ يَجُوزُ الْخَطَأُ عَلَى مُقَلَّدِهِ ،وَيَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي إِخْبَارِهِ ، وَلاَ يَكْفِي التَّعْوِيل فِي ذَلِكَ عَلَى سُكُونِ النَّفْسِ إِلَى صِدْقِ الْمُقَلَّدِ ، إِذْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ سُكُونِ أَنْفُسِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَلَّدُوا أَسْلاَفَهُمْ وَسَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ مِن قَبْل ، فَعَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ [19] قال تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} (22) سورة الزخرف .وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ الاِكْتِفَاءِ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ ، وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الظَّاهِرِيَّةِ [20] .

ثُمَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يُلْحَقُ بِالْعَقَائِدِ فِي هَذَا الأَْمْرِ كُل مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ، فَلاَ تَقْلِيدَ فِيهِ ؛ لأَِنَّ الْعِلْمَ بِهِ يَحْصُل بِالتَّوَاتُرِ وَالإِْجْمَاعِ ، وَمِن ذَلِكَ الأَْخْذُ بِأَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ .

ب - حُكْمُ التَّقْلِيدِ فِي الْفُرُوعِ [21] :

اخْتُلِفَ فِي التَّقْلِيدِ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى رَأْيَيْنِ:

الأَْوَّل: جَوَازُ التَّقْلِيدِ فِيهَا وَهُوَ رَأْيُ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ ، قَالُوا: لأَِنَّ الْمُجْتَهِدَ فِيهَا إِمَّا مُصِيبٌ وَإِمَّا مُخْطِئٌ مُثَابٌ غَيْرُ آثِمٍ ، فَجَازَ التَّقْلِيدُ فِيهَا ، بَل وَجَبَ عَلَى الْعَامِّيِّ ذَلِكَ ؛ لأَِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْعَمَل بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الأَْدِلَّةِ عَلَيْهَا خَفَاءٌ يُحْوِجُ إِلَى النَّظَرِ وَالاِجْتِهَادِ ، وَتَكْلِيفُ الْعَوَّامِ رُتْبَةَ الاِجْتِهَادِ يُؤَدِّي إِلَى انْقِطَاعِ الْحَرْثِ وَالنَّسْل ، وَتَعْطِيل الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ ، فَيُؤَدِّي إِلَى الْخَرَابِ ، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ كَانَ يُفْتِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَيُفْتُونَ غَيْرَهُمْ ، وَلاَ يَأْمُرُونَهُمْ بِنَيْل دَرَجَةِ الاِجْتِهَادِ . وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِسُؤَال الْعُلَمَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (7) سورة الأنبياء .

الثَّانِي: إِنَّ التَّقْلِيدَ مُحَرَّمٌ لاَ يَجُوزُ . قَال بِذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ الْقَيِّمِ ، وَالشَّوْكَانِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ [22] .

وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ التَّقْلِيدَ بِقَوْلِهِ: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (31) سورة التوبة ،وَقَوْلِهِ تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} (67) سورة الأحزاب وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ ، وَإِنَّ الأَْئِمَّةَ قَدْ نَهَوْا عَن تَقْلِيدِهِمْ ، قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: لاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يَقُول بِقَوْلِنَا حَتَّى يَعْلَمَ مِن أَيْنَ قُلْنَاهُ . وَقَال الْمُزَنِيُّ فِي أَوَّل مُخْتَصَرِهِ: اخْتَصَرْتُ هَذَا مِن عِلْمِ الشَّافِعِيِّ ، وَمِن مَعْنَى قَوْلِهِ مَعَ إِعْلاَمِهِ نَهْيَهُ عَن تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ لِيُنْظَرَ فِيهِ لِدِينِهِ وَيَحْتَاطَ لِنَفْسِهِ [23] ، وَقَال أَحْمَدُ: لاَ تُقَلِّدْنِي ، وَلاَ تُقَلِّدْ مَالِكًا وَلاَ الثَّوْرِيَّ ، وَلاَ الأَْوْزَاعِيَّ ، وَخُذْ مِن حَيْثُ أَخَذُوا [24] .

وَفِي بَعْضِ كَلاَمِ ابْنِ الْقَيِّمِ أَنَّ التَّقْلِيدَ الَّذِي يَرَى امْتِنَاعَهُ هُوَ"اتِّخَاذُ أَقْوَال رَجُلٍ بِعَيْنِهِ بِمَنزِلَةِ نُصُوصِ الشَّارِعِ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلٍ سِوَاهُ ، بَل لاَ إِلَى نُصُوصِ الشَّارِعِ ، إِلاَّ إِذَا وَافَقَتْ نُصُوصَ قَوْلِهِ . قَال فَهَذَا هُوَ التَّقْلِيدُ الَّذِي أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي دِينِ اللَّهِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الأُْمَّةِ إِلاَّ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ" [25] .

وَأَثْبَتَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَالشَّوْكَانِيُّ فَوْقَ التَّقْلِيدِ مَرْتَبَةً أَقَل مِنَ الاِجْتِهَادِ ، هِيَ مَرْتَبَةُ الاِتِّبَاعِ ، وَحَقِيقَتُهَا الأَْخْذُ بِقَوْل الْغَيْرِ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ ، عَلَى حَدِّ مَا وَرَدَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ( لاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يَقُول مَقَالَتَنَا حَتَّى يَعْلَمَ مِن أَيْنَ قُلْنَا ) [26] . غَيْرَ أَنَّ التَّقْلِيدَ يَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ . وَمِن ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَظْفَرِ الْعَالِمُ بِنَصٍّ مِنَ الْكِتَابِ أَوالسُّنَّة ، وَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ قَوْل مَن هُوَ أَعْلَمُ مِنهُ ، فَيُقَلِّدُهُ . أَمَّا التَّقْلِيدُ الْمُحَرَّمُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ مُتَمَكِّنًا مِن مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِدَلِيلِهِ ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَعْدِلُ إِلَى التَّقْلِيدِ ، فَهُوَ كَمَن يَعْدِل إِلَى الْمَيْتَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمُذَكَّى .

وَالتَّقْلِيدُ إِنَّمَا هُوَ لِمَن لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الاِجْتِهَادِ ، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ لَكِنْ لَمْ يَجِدِ الْوَقْتَ لِذَلِكَ ، فَهِيَ حَال ضَرُورَةٍ كَمَا قَال ابْنُ الْقَيِّمِ . وَقَدْ أَفْتَى الإِْمَامُ أَحْمَدُ بِقَوْل الشَّافِعِيِّ ، وَقَال: إِذَا سُئِلْتُ عَن مَسْأَلَةٍ لَمْ أَعْرِفْ فِيهَا خَبَرًا أَفْتَيْتُ فِيهَا بِقَوْل الشَّافِعِيِّ ، لأَِنَّهُ إِمَامٌ عَالِمٌ مِن قُرَيْشٍ [27] ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"لاَ تَسُبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلأُ الأَرْضَ عِلْمًا .." [28]

ج- الردُّ على أدلة المانعين للتقليد:

قلت: أمَّا الاحتجاجُ بقوله تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ } فلا يصح الاستدلال بهذه الآية لأنها واردة بحق اليهود والنصارى ، قال تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } [التوبة/30، 31]

فالاحتجاج بها غير صحيح ، وفي غير محله ، ومعنى الآية: اتَّخَذَ أَهْلُ الكِتَابِ ، مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ، كِبَارَ رِجَالِ دِينِهِمْ أَرْبَابًا وَمُشَرِّعِينَ ، فَأحَلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلاَلَ ، فَاتَّبَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَهَذِهِ المُتَابَعَةُ هِيَ المَقْصُودَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا } ؛ وَمِنهُمْ مَن جَعَلَ للهِ وَلَدًا عَبَدُوهُ مَعَ اللهِ ، كَعُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ ، لاَ إِلهَ غَيْرُ اللهِ ، تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عَنِ الشِّرْكِ وَالوَلَدْ وَالصَّاحِبَةِ ، وَعَنِ النُّظَرَاءَ وَالأَعْوَانِ ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ ،وَهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِأَنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ [29] .

فعَن عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِى عُنُقِى صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ. فَقَالَ « يَا عَدِىُّ اطْرَحْ عَنكَ هَذَا الْوَثَنَ » . وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِى سُورَةِ بَرَاءَةَ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ) قَالَ: « أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ » [30] .

قال ابن كثير:"وَهَكَذَا قَالَ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا فِي تَفْسِير"اِتَّخَذُوا أَحْبَارهمْ وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا مِن دُون اللَّه"إنَّهُمْ اِتَّبَعُوهُمْ فِيمَا حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا وَقَالَ السُّدِّيّ: اِسْتَنْصَحُوا الرِّجَال وَنَبَذُوا كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى"وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا"أَيْ الَّذِي إِذَا حَرَّمَ الشَّيْء فَهُوَ الْحَرَام، وَمَا حَلَّلَهُ فَهُوَ الْحَلَال ،وَمَا شَرَعَهُ اُتُّبِعَ، وَمَا حَكَمَ بِهِ نَفَذَ"لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَلَا رَبّ سِوَاهُ" [31] ."

(1) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 8 / ص 3698) -رقم الفتوى 54541 الفرق بين العالم والداعية والواعظ -تاريخ الفتوى: 29 شعبان 1425

(2) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 13 / ص 291) (35674) وفيه انقطاع

(3) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيّ (379 ) وفيه انقطاع

(4) - الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِلْخَطِيِبِ الْبَغْدَادِيِّ (37)

(5) - سنن الدارمي (266)

(6) - تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 481)

(7) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 9 / ص 122) (27248) صحيح

(8) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (410 )

(9) - سنن الترمذى (2900 ) حسن لغيره

(10) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 13 / ص 154 ) ) فما بعد وفتاوى الأزهر - (ج 7 / ص 173)

(11) - روضة الناظر لابن قدامة 2 / 449 ط ثانية ، الرياض مكتبة المعارف 1404 هـ .

(12) - لسان العرب ومختار الصحاح مادة:"قلد".

(13) - لسان العرب المحيط ـ قسم المصطلحات ، والمعجم الوسيط مادة:"قلد".

(14) - روضة الناظر بتعليق الشيخ عبد القادر بن بدران 1404هـ 2 / 450 القاهرة . المطبعة السلفية ، وإرشاد الفحول للشوكاني ص 265 . القاهرة . مطبعة مصطفى الحلبي 1356 هـ .

(15) - شرح مسلم الثبوت 2 / 400 . القاهرة ، مطبعة بولاق ، 1322هـ ، والمستصفى مطبوع مع مسلم الثبوت 2 / 387 . الطبعة المذكورة ، وروضة الناظر 2 / 450 .

(16) - شرح مسلم الثبوت 1 / 10 .

(17) - انظر لقاءات الباب المفتوح - (ج 94 / ص 20) وشرح النيل وشفاء العليل - إباضية - (ج 35 / ص 59) والأحكام للآمدي - (ج 4 / ص 227) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 6 / ص 12) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 47) وغاية الوصول في شرح لب الأصول - (ج 1 / ص 169)

(18) - صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 386) برقم ( [620] ) وهو صحيح

(19) - كشاف القناع 6 / 306 ، ومطالب أولي النهى 6 / 441 ، دمشق ، المكتب الإسلامي .

(20) - إرشاد الفحول ص266 .

(21) - روضة الناظر 2 / 451 ، 452 ، وإعلام الموقعين 4 / 187 ـ 201 ، وإرشاد الفحول ص 266 . و فتاوى الأزهر - (ج 7 / ص 173) والفتاوى الكبرى - (ج 10 / ص 15) والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار - الرقمية - (ج 1 / ص 13) والأحكام للآمدي - (ج 4 / ص 225) وشرح الكوكب المنير - (ج 3 / ص 80) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 6 / ص 12) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 7) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 3 / ص 425) والتلخيص في أصول الفقه / لإمام الحرمين - (ج 3 / ص 187) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد - الرقمية - (ج 1 / ص 205) والمسودة - الرقمية - (ج 1 / ص 459)

(22) - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 60) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 319) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 21) والأحكام لابن حزم - (ج 2 / ص 234) وحجة الله البالغة - (ج 1 / ص 301)

(23) - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 5 / ص 297) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 305) وحجة الله البالغة - (ج 1 / ص 303)

(24) - إعلام الموقعين 4 / 187 - 201 ، 211 ، ومختصر المزني المطبوع مع الأم للشافعي ص1 ، وإرشاد الفحول ص 266 ، فتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 3) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 5 / ص 297) والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 22)

(25) - إعلام الموقعين 4 / 236 ، 192 .

(26) - إعلام الموقعين 4 / 260 ، إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 353) الشاملة 2، والتقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 16)

قلت: ولعل الوجه في نهي الأئمة عن تقليدهم أنهم قالوه لتلامذتهم المؤهلين الذين لديهم القدرة على معرفة حجية الأدلة ، ومدى صحتها ، وعلى تفهم دلالاتها ، فهؤلاء لا يصح منهم التقليد الصرف فيما يمكنهم فيه الرجوع إلى الأدلة ، أما العامي الذي لا يستطيع معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، فيجب عليه أن يسأل أهل العلم ، ويسوغ له التقليد بلا خلاف .

(27) - مطالب أولي النهى 6 / 448 .و طرح التثريب - (ج 1 / ص 209)

(28) - مسند الطيالسي (307) وأصفهان 2/361 ومطالب ( 4167) وعاصم 2/637 وحلية 6/295 و 9/65 وخط 2/60-61 وهو حسن لغيره ، وانظر: فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 5 / ص 8564) ومغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج - (ج 1 / ص 46) وحاشية البجيرمي على الخطيب - (ج 1 / ص 170)

(29) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 1267)

(30) - سنن الترمذى (3378) حسن لغيره

(31) - تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 350)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت