سئل ابن عليش رحمه الله:"مَا قَوْلُكُمْ فِيمَن كَانَ مُقَلِّدًا لِأَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رضي الله تعالى عنهم وَتَرَكَ ذَلِكَ زَاعِمًا أَنَّهُ يَأْخُذُ الْأَحْكَامَ مِن الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَارِكًا لِكُتُبِ الْفِقْهِ مَائِلًا لِقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ إدْرِيسَ بِذَلِكَ قَائِلًا: إنَّ كُتُبَ الْفِقْهِ لَا تَخْلُو مِن الْخَطَأِ وَفِيهَا أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَكَيْفَ تَتْرُكُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَتُقَلِّدُ الْأَئِمَّةَ فِي اجْتِهَادِهِمْ الْمُحْتَمَلِ لِلْخَطَأِ وَقَائِلًا أَيْضًا لِمَن تَمَسَّكَ بِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَمُقَلِّدِيهِمْ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ: قَالَ اللَّهُ أَوْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ قَالَ مَالِكٌ أَوْ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ خَلِيلٌ فَتُقَابِلُونَ كَلَامَ الشَّارِعِ الْمَعْصُومِ مِن الْخَطَأِ بِكَلَامِ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْخَطَأُ .. أَفِيدُوا الْجَوَابَ ."
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ:
"الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، لَا يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ أَنْ يَتْرُكَ تَقْلِيدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَيَأْخُذَ الْأَحْكَامَ مِن الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ ؛لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُ شُرُوطٌ كَثِيرَةٌ مُبَيَّنَةٌ فِي الْأُصُولِ لَا تُوجَدُ فِي أَغْلِبْ الْعُلَمَاءِ وَلَا سِيَّمَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ الَّذِي عَادَ الْإِسْلَامُ فِيهِ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِن الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ مَا ظَاهِرُهُ صَرِيحُ الْكُفْرِ وَلَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ رضي الله تعالى عنه:الْحَدِيثُ مَضَلَّةٌ إلَّا لِلْفُقَهَاءِ، يُرِيدُ أَنَّ غَيْرَهُمْ قَدْ يَحْمِلُ الشَّيْءَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَهُ تَأْوِيلٌ مِن حَدِيثِ غَيْرِهِ أَوْ دَلِيلٌ يَخْفَى عَلَيْهِ أَوْ مَتْرُوكٌ أَوْجَبَ تَرْكَهُ غَيْرَ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَقُومُ بِهِ إلَّا مَن اسْتَبْحَرَ وَتَفَقَّهَ ، قَالَ مَالِكٌ رحمه الله تعالى: إنَّمَا فَسَدَتْ الْأَشْيَاءُ حِينَ تُعُدِّيَ بِهَا مَنَازِلُهَا وَلَيْسَ هَذَا الْجَدَلُ مِن الدِّينِ بِشَيْءٍ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ ،وَفِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ قَالَ مَالِكٌ رحمه الله تعالى: الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْأَمْرِ الْمَاضِي الْمَعْرُوفِ الْمَعْمُولِ بِهِ ."
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ رضي الله تعالى عنه: السُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِن سُنَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِن الْحَدِيثِ.
وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله تعالى: الْعَمَلُ أَثْبَتُ مِن الْأَحَادِيثِ ، قَالَ: مَن يَقْتَدِي بِهِ وَإِنَّهُ لَضَعِيفٌ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَن فُلَانٍ وَكَانَ رِجَالٌ مِن التَّابِعِينَ تَبْلُغُهُمْ عَن غَيْرِهِمْ الْأَحَادِيثُ فَيَقُولُونَ مَا نَجْهَلُ هَذَا وَلَكِنْ مَضَى الْعَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ جَرِيرٍ رُبَّمَا قَالَ لَهُ أَخُوهُ لِمَ لَمْ تَقْضِ بِحَدِيثِ كَذَا فَيَقُولُ لَمْ أَجِدْ النَّاسَ عَلَيْهِ . قَالَ النَّخَعِيُّ: لَوْ رَأَيْت الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم يَتَوَضَّئُونَ إلَى الْكُوعَيْنِ لَتَوَضَّأْت كَذَلِكَ وَأَنَا أَقْرَؤُهَا إلَى الْمَرَافِقِ ؛وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يُتَّهَمُونَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ وَهُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ وَأَحْرَصُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا يَظُنُّ ذَلِكَ بِهِمْ أَحَدٌ إلَّا ذُو رِيبَةٍ فِي دِينِهِ.
وَقَدْ بَنَى مَالِكٌ رضي الله تعالى عنه مَذْهَبَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:الْأَوَّلُ آيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ، وَالثَّانِي حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَالِمٌ مِن الْمُعَارَضَةِ، الثَّالِثُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، الرَّابِعُ اتِّفَاقُ جُمْهُورِهِمْ .
وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ التَّقْلِيدِ عَلَى مَن لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ حَسْبَمَا فِي الدِّيبَاجِ لِلْإِمَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ رحمه الله تعالى وَعُمْدَةِ الْمُرِيدِ لِلشَّيْخِ اللَّقَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ مَعْلُومًا مِن الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ .
فَإِنْ قُلْت: إنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ شَيْخَهُمْ فِيهِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ وَفَاقَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْإِجْمَاعُ إنَّمَا هُوَ فِيمَن لَيْسَ فِيهِ الشُّرُوطُ .
قُلْت: لَا بِمُشَاهَدَةِ عَدَمِهَا فِيهِ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُقْصِرُونَ وُجُوبَ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ بَلْ يَعْتَقِدُونَ وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَعَلَى إرْخَاءِ الْعَنَانِ نَقُولُ لَهُمْ: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ وَاسْتَخْرِجُوا لَنَا أَحْكَامًا مِن الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ غَيْرَ الْأَحْكَامِ الَّتِي اسْتَخْرَجَتْهَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ ،وَهَذَا مَأْخَذُهُ قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (23) سورة البقرة، كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي التَّشْنِيعِ عَلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ .
وَذَكَرَ عَن الْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ ادِّعَاءُ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ إلَّا لِمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَأَنَّ مَا كَانَ مِن نَحْوِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْمُزَنِيِّ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّمَا كَانَ اجْتِهَادًا مُنْتَسِبًا لِمَذْهَبٍ . وَقَوْلُهُمْ إنَّ كُتُبَ الْفِقْهِ لَا تَخْلُو مِن الْخَطَأِ إنْ أَرَادُوا أَنَّهَا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى تَرْكِ جَمِيعِهَا فَهُوَ تَكْذِيبٌ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي شَهَادَتِهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْعِصْمَةِ مِن الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْخَطَأِ وَتَضْلِيلٌ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ هُمْ مِن خَيْرِ الْقُرُونِ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،وَإِنْ أَرَادُوا فِي بَعْضِهَا مُعِينًا فَلْيُنْهَ عَنهُ بِخُصُوصِهِ لَا عَن الْجَمِيعِ بَل الْوَاجِبُ بَيَانُهُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ،وَإِنْ أَرَادُوا غَيْرَ مُعِينٍ فَمِن أَيْنَ لَهُمْ ذَلِكَ؟.
فَإِنْ قَالُوا مِن الِاخْتِلَافِ وَالْحَقُّ وَاحِدٌ، قُلْنَا: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَفْرُوغٌ مِنهَا فِي الْأُصُولِ وَمَن قَالَ: الْحَقُّ وَاحِدٌ ،لَمْ يُنْهَ عَن شَيْءٍ مِن كُتُبِ الْفِقْهِ إذْ الْخَطَأُ غَيْرُ الْمُعِينِ لَمْ يُكَلِّفْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِن سَعَةِ فَضْلِهِ .
وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّعْرَانِيِّ حَيْثُ جَعَلَ جَمِيعَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ صَحِيحَةً دَائِرَةً عَلَى التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَهُوَ كَلَامٌ مُنَوِّرٌ لِلْبَصَائِرِ وَمُزِيلٌ لِرَيْنِ الضَّمَائِرِ جَزَاهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ بِمَنِّهِ .
وَقَوْلُهُمْ فِيهَا أَحْكَامٌ مُخَالِفَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّ تِلْكَ الْمُخَالَفَةَ لَا تَقْدَحُ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَلَا تُوجِبُ تَرْكَهَا لِابْتِنَاءِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ عَلَى أَثْبَتَ مِن تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ ،وَأَشَدُّ النَّاسِ تَمَسُّكًا بِهَا وَوُقُوفًا عِنْدَ حُدُودِهَا، فَعَمَلُهُمْ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى نَسْخِهِ وَرُجُوعُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَنهُ ،وَعَمَلُهُمْ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا عَمِلُوا بِهِ.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ النَّخَعِيِّ: لَوْ رَأَيْت الصَّحَابَةَ يَتَوَضَّئُونَ إلَى الْكُوعَيْنِ لَتَوَضَّأْت كَذَلِكَ وَأَنَا أَقْرَؤُهَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَهَلْ يَفْهَمُ أَحَدٌ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ وَأَحَادِيثِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَ فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ حَاشَا وَكَلَّا .
قَالَ فِي الْمَدْخَلِ:"وَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ الشَّارِعِ صلوات الله وسلامه عليه فِي هَذِهِ الْقُرُونِ وَكَيْفَ خَصَّهُمْ بِالْفَضِيلَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِن الْقُرُونِ فِي كَثِيرٍ مِنهُمْ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ لَكِنْ اخْتَصَّتْ تِلْكَ الْقُرُونُ بِمَزِيَّةٍ لَا يُوَازِيهِمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَصَّهُمْ لِإِقَامَةِ دِينِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، فَالْقَرْنُ الْأَوَّلُ خَصَّهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِخُصُوصِيَّةٍ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ أَنْ يَلْحَقَ غُبَارَ أَحَدِهِمْ فَضْلًا عَن عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ خَصَّهُمْ بِرُؤْيَةِ نَبِيِّهِ عليه الصلاة والسلام وَمُشَاهَدَتِهِ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ غَضًّا طَرِيًّا يَتَلَقَّوْنَهُ مِن فِي النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ يَتَلَقَّاهُ مِن جِبْرِيلَ عليه السلام ،وَخَصَّهُمْ بِالْقِتَالِ بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّهِ وَنُصْرَتِهِ وَحِمَايَتِهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَإِخْمَادِهِ وَرَفْعِ مَنَارِ الْإِسْلَامِ وَأَعْلَامِهِ وَحَفَّظَهُمْ آيَ الْقُرْآنِ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ نُجُومًا فَأَهَّلَهُمْ اللَّهُ لِحِفْظِهِ حَتَّى لَمْ يَضِعْ مِنهُ وَلَا حَرْفٌ وَاحِدٌ فَجَمَعُوهُ وَيَسَّرُوهُ لِمَن بَعْدَهُمْ وَفَتَحُوا الْبِلَادَ وَالْأَقَالِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَهَّدُوا لَهُمْ وَحَفِظُوا أَحَادِيثَ نَبِيِّهِمْ عليه الصلاة والسلام فِي صُدُورِهِمْ وَأَثْبَتُوهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي مِن عَدَمِ اللَّحْنِ وَالْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ ،وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ رحمه الله تعالى إذَا شَكَّ فِي الْحَدِيثِ تَرَكَهُ أَلْبَتَّةَ، فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ وَهُوَ لَيْسَ مِن قَرْنِهِمْ بَلْ مِن الْقَرْنِ الثَّانِي، فَمَا بَالُك بِهِمْ وَهُمْ خَيْرُ الْخِيَارِ، وَوَصْفُهُمْ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ لَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ أَحَدٌ، فَجَزَاهُمْ اللَّهُ عَن أُمَّةِ نَبِيِّهِمْ خَيْرًا، لَقَدْ أَخْلَصُوا لِلَّهِ تَعَالَى الدَّعْوَةَ وَذَبُّوا عَن دِينِهِ بِالْحَمِيَّةِ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه: مَن كَانَ مِنكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا وَأَحْسَنَهَا حَالًا اخْتَارَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ اهـ ."
وَقَالَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ فَصْلٌ فِي بَيَانِ اسْتِحَالَةِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِن أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ عَن الشَّرِيعَةِ ... وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُجْتَهِدِينَ مَا سُمُّوا بِذَلِكَ إلَّا لِبَذْلِ أَحَدِهِمْ وُسْعَهُ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الْكَامِنَةِ فِي الْكِتَابِ والسُّنَّة , فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ مُشْتَقٌّ مِن الْجَهْدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي إتْعَابِ الْفِكْرِ وَكَثْرَةِ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ فَاَللَّهُ تَعَالَى يَجْزِي جَمِيعَ الْمُجْتَهِدِينَ خَيْرًا فَإِنَّهُمْ لَوْلَا اسْتَنْبَطُوا لِلْأُمَّةِ الْأَحْكَامَ مِن الْكِتَابِ والسُّنَّة مَا قَدَرَ أَحَدٌ مِن غَيْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ،وَسَمِعْت شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا رحمه الله تعالى يَقُولُ لَوْلَا بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُجْتَهِدِينَ لَنَا مَا أُجْمِلَ فِي الْكِتَابِ والسُّنَّة لَمَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنَّا عَلَى ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الشَّارِعَ لَوْلَا بَيَّنَ لَنَا بِسُنَّتِهِ أَحْكَامَ الطَّهَارَةِ مَا اهْتَدَيْنَا لِكَيْفِيَّتِهَا مِن الْقُرْآنِ وَلَا قَدَرْنَا عَلَى اسْتِخْرَاجِهَا مِنهُ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَيَانِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَالصَّلَوَاتِ مِن فَرْضٍ وَنَفْلٍ ،وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَبَيَانِ أَنْصِبَتِهَا وَشُرُوطِهَا وَبَيَانِ فَرْضِهَا مِن سُنَّتِهَا ،وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ الَّتِي وَرَدَتْ مُجْمَلَةً فِي الْقُرْآنِ فَلَوْلَا أَنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتْ لَنَا ذَلِكَ مَا عَرَفْنَاهُ وَلِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَسْرَارٌ وَحِكَمٌ يَعْرِفُهَا الْعَارِفُونَ انْتَهَى .
وَجَمِيعُ مَن ادَّعَى الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ إنَّمَا مُرَادُهُ الْمُطْلَقُ الْمَذْهَبِيُّ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَن قَوَاعِدِ إمَامِهِ كَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبُغَ مَعَ مَالِكٍ وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَالْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ مَعَ الشَّافِعِيِّ إذْ لَيْسَ فِي قُوَّةِ أَحَدٍ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنْ يَبْتَكِرَ الْأَحْكَامَ وَيَسْتَخْرِجَهَا مِن الْكِتَابِ والسُّنَّة فِيمَا نَعْلَمُ أَبَدًا وَمَن ادَّعَى ذَلِكَ قُلْنَا لَهُ اسْتَخْرِجْ لَنَا شَيْئًا لَمْ يَسْبِقْ لِأَحَدٍ مِن الْأَئِمَّةِ اسْتِخْرَاجُهُ فَإِنَّهُ يَعْجِزُ انْتَهَى .
وَكَانَ ابْنُ حَزْمٍ يَقُولُ: جَمِيعُ مَا اسْتَنْبَطَهُ الْمُجْتَهِدُونَ مَعْدُودٌ مِن الشَّرِيعَةِ وَإِنْ خَفِيَ دَلِيلُهُ عَن الْعَوَّام، وَمَن أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ نَسَبَ الْأَئِمَّةَ إلَى الْخَطَأِ وَأَنَّهُمْ يُشَرِّعُونَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَذَلِكَ ضَلَالٌ مِن قَائِلِهِ عَن الطَّرِيقِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهُمْ لَوْلَا رَأَوْا فِي ذَلِكَ دَلِيلًا مَا شَرَعُوهُ انْتَهَى
.وَكَانَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْخَوَّاصُ يَقُولُ: مَا ثَمَّ قَوْلٍ مِن أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ إلَّا وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى أَصْلٍ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ لِمَن تَأَمَّلَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ لَكِنْ مِن أَقْوَالِهِمْ مَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِن صَرِيحِ الْآيَاتِ أَوْ الْأَخْبَارِ أَوْ الْآثَارِ , وَمِنهُ مَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِن الْمَنطُوقِ أَوْ مِن الْمَفْهُومِ، فَمِن أَقْوَالِهِمْ مَا هُوَ قَرِيبٌ وَمِنهَا مَا هُوَ أَقْرَبُ وَمِنهَا مَا هُوَ بَعِيدٌ وَمِنهَا مَا هُوَ أَبْعَدُ ،وَمَرْجِعُهَا كُلُّهَا إلَى الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهَا مُقْتَبَسَةٌ مِن شُعَاعِ نُورِهَا وَمَا ثَمَّ لَنَا فَرْعٌ يَتَفَرَّعُ مِن غَيْرِ أَصْلٍ أَبَدًا , وَإِنَّمَا الْعَالِمُ كُلَّمَا بَعُدَ عَن عَيْنِ الشَّرِيعَةِ ضَعُفَ نُورُ أَقْوَالِهِ بِالنَّظَرِ إلَى نُورِ أَوَّلِ مُقْتَبِسٍ مِن عَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى مِمَن قَرُبَ مِنهَا","
وَكَانَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْخَوَّاصُ إذَا سَأَلَهُ إنْسَانٌ عَن التَّقَيُّدِ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ الْآنَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ يَقُولُ: يَجِبُ عَلَيْك التَّقَيُّدُ بِمَذْهَبٍ مَا دُمْتَ لَا تَصِلُ إلَى شُهُودِ عَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى فَهُنَاكَ لَا يَجِبُ عَلَيْك التَّقَيُّدُ بِمَذْهَبٍ؛ لِأَنَّك تَرَى اتِّصَالَ جَمِيعِ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ بِهَا وَلَيْسَ مَذْهَبٌ أَوْلَى بِهَا مِن مَذْهَبٍ وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ عِنْدَك حِينَئِذٍ إلَى مَرْتَبَتَيْ التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ بِشَرْطِهِمَا انْتَهَى .
وَسَمِعْت شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا رحمه الله تعالى يَقُولُ مِرَارًا: عَيْنُ الشَّرِيعَةِ كَالْبَحْرِ فَمِن أَيِّ الْجَوَانِبِ اُغْتُرِفَ مِنهُ فَهُوَ وَاحِدٌ ،وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إيَّاكُمْ أَنْ تُبَادِرُوا إلَى الْإِنْكَارِ عَلَى قَوْلِ مُجْتَهِدٍ أَوْ تَخْطِئَتِهِ إلَّا بَعْدَ إحَاطَتِكُمْ بِأَمْثِلَةِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا وَمَعْرِفَتِكُمْ بِجَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ الَّتِي احْتَوَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ وَمَعْرِفَتِكُمْ بِمَعَانِيهَا وَطُرُقِهَا فَإِذَا أَحَطْتُمْ بِهَا كَمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ تَجِدُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ الَّذِي أَنْكَرْتُمُوهُ فِيهَا فَحِينَئِذٍ لَكُمْ الْإِنْكَارُ , وَأَنَّى لَكُمْ بِذَلِكَ.. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
ــــــــــــــــ
(1) - فتاوى ابن عليش - (ج 1 / ص 85) باختصار