فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 164

المبحث التاسع عشر- جَوَازُ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ[1]

ينقسم الاجتهاد بالنظر إلى المجتهد من حيث استيعابُه للمسائل أو اقتصاره على بعضها إلى مجتهد مطلق ومجتهد جزئي.

فالمجتهد المطلق: هو الذي بلغ رتبة الاجتهاد بحيث يمكنه النظر في جميع المسائل.

والمجتهد الجزئي هو الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، وإنما بلغ هذه الرتبة في مسألة معينة، أو باب معين، أو فن معين، وهو جاهل لما عدا ذلك [2] .

المسألة الأولى: هل للمجتهد في نوع من العلم أن يفتي به ؟

هذه المسألة مبنيَّة على مسألة أخرى، وهي: هل الاجتهاد يتجزأ ؟

وبعبارة أخرى: هل الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدًا في نوع من العلم أو في باب من أبوابه مقلدًا في غيره، وهل له أن يفتي في النوع أو في الباب الذي اجتهد فيه.

ومثال ذلك: من استفرغ وِسْعه في علم الفرائض وأدلتها، واستنباطها من الكتاب والسُّنَّة دون غيره من العلوم، أو استفرغ وِسْعه في باب الجهاد، أو في باب الحج مثلا.

اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: الجواز مطلقًا.

مستَّنَد هذا المذهب: أنه قد عرف الحق بدليله في هذا النوع أو الباب من العلم، وقد بذل جهده في معرفة الصواب، فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع، فيكفيه أن يكون عارفًا بما يتعلق بتلك المسألة مما لا بد فيه منها، ولا يضره بعد ذلك جهله بما لا تَعَلُّق له بها مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية، كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدًا في المسائل الخارجية عنها، فليس من شرط المفتي أن يكون عالمًا بجميع أحكام المسائل ومداركها؛ لأنه مما لا يدخل تحت طاقة البشر.

المذهب الثاني: المنع مطلقًا:

مستند هذا المذهب: أن أبواب الشرع وأحكامه وأدلة الأحكام الشرعية يتعلق بعضها ببعض، ويأخذ بعضها بحُجُز بعض، ويفسر بعضها بعضًا، ويقيد بعضها بعضًا، فالجهل ببعضها مظنَّة للتقصير في الباب أو النوع الذي عرفه، ولا يخفى على الناظر الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلق به وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك سائر أبواب الفقه.

المذهب الثالث: الفرق بين الفرائض وغيرها، فيتجزأ الاجتهاد في علم الفرائض، وله أن يفتي فيه دون غيره من العلوم.

مستند هذا المذهب:

1-أن أحكام قسمة المواريث ومعرفة مستحقيها مستقلة عن غيرها من أبواب الفقه، وليست متعلقة به، فلا صلة لها بكتاب البيوع والإجارات والرهن والنضال وسائر أبواب الفقه.

2-أن عامة أحكام المواريث قطعية، منصوص عليها في الكتاب والسُّنَّة، بخلاف غيرها.

الترجيح: بعد ذكر المذاهب في المسألة، ومستند كل مذهب يتبيَّن لي أن الراجح من ذلك هو المذهب الأول، وهو أن الاجتهاد يتجزأ مطلقًا، وأن للمجتهد أن يفتي في النوع من العلم الذي اجتهد فيه.

وجه ترجيحه:

1-أن الصحابة، والأئمة بعدهم، قد كانوا يتوقَّفون في مسائل كثيرة، ولم يخرجهم ذلك عن الاجتهاد، ولم يمنعهم ذلك عن الإفتاء بما علموه.

وكم توقف الشافعي في مسألة، وسُئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين لا أدري، فلو كان العالم لا يكون مجتهدًا إلا بمعرفة حكم الله في كل جزئية لما كان مالك مجتهدًا؛ لتوقفه عن ستة وثلاثين مسألة وإجابته عن أربعة من أربعين، ولكنه مجتهد متفق عليه، فدلَّ على أنه لا يشترط التعميم.

2-أن المجتهد في نوع من العلم قد غلب على ظنه أنه قد أحاط بجميع ما يتعلق بالنوع أو الباب الذي اجتهد فيه من الأدلة، وعرف كل ما يتصل بهذه الأدلة مما له صلة في الدلالة، وقد بذل جهده في البحث، فتكليفه بأن يعلم ما وراء ذلك تكليف بغير مقدور، وهو ممتنع [3] .

وقال الزركشي:"الصَّحِيحُ جَوَازُ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ مُجْتَهِدًا فِي بَابٍ دُونَ غَيْرِهِ وَعَزَاهُ الْهِنْدِيُّ لِلْأَكْثَرِينَ ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ النُّكَتِ"عَن أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ الْعِنَايَةُ بِبَابٍ مِن الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَعْرِفَةُ بِمَأْخَذِ أَحْكَامِهِ وَإِذَا حَصَلَتْ الْمَعْرِفَةُ بِالْمَأْخَذِ أَمْكَنَ الِاجْتِهَادُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ بِمَنصِبِ الِاجْتِهَادِ فِي بَابٍ دُونَ بَابٍ وَالنَّاظِرُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُشَارَكَةِ تَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ أُصُولِ الْفَرَائِضِ ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَعْرِفَ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ مَثَلًا" [4] "

المسألة الثانية: من بذل جهده في مسألة أو مسألتين هل له أن يفتي فيهما ؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

أحدهما: المنع. حجته: حجة المذهب الأول من المسألة الأولى.

والثاني: الجواز. حجته: حجة المذهب الثاني من المسألة الأولى.

والراجح: الجواز.

وجه ترجيحه: أن إفتاءه فيما بذل جهده فيه من التبليغ عن الله ورسوله، فيكون قد أعان على الإسلام بما يقدر عليه، فمنعه من الإفتاء لا دليل عليه، بل هو يعارض الأدلة الدالة على الأمر بالتبليغ عن الله ورسوله [5] .

وقال ابن القيم:"فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَن بَذَلَ جَهْدَهُ فِي مَعْرِفَةِ مَسْأَلَةٍ أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِمَا ؟ قِيلَ: نَعَمْ يَجُوزُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَهَلْ هَذَا إلَّا مِن التَّبْلِيغِ عَن اللَّهِ وَعَن رَسُولِهِ ، وَجَزَى اللَّهُ مِن أَعَانَ الْإِسْلَامَ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ خَيْرًا ، وَمَنعُ هَذَا مِن الْإِفْتَاءِ بِمَا عَلِمَ خَطَأٌ مَحْضٌ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ ." [6]

ــــــــــــــــ

(1) - انظر: البحر المحيط - (ج 8 / ص 96) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 44) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 5 / ص 479) وشرح الورقات في أصول الفقه - (ج 5 / ص 19) ومذكرة أصول الفقه - (ج 1 / ص 60) والموافقات - (ج 5 / ص 43) وإرشاد الفحول - (ج 2 / ص 216) وروضة الناظر وجنة المناظر - (ج 3 / ص 370) وشرح الكوكب المنير - (ج 4 / ص 473)

(2) - معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة - (ج 1 / ص 423)

(3) - معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة - (ج 1 / ص 423) وروضة الناظر" (2/406، 407) ، و"مجموع الفتاوى" (20/204، 212) ، و"مذكرة الشنقيطي" (312) .التقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 29) "

(4) - انظر: البحر المحيط - (ج 8 / ص 96)

(5) - معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة - (ج 1 / ص 423) وروضة الناظر" (2/406، 407) ، و"مجموع الفتاوى" (20/204، 212) ، و"مذكرة الشنقيطي" (312) .التقليد والإفتاء والاستفتاء - (ج 1 / ص 29) "

(6) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 5 / ص 77)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت