فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 164

إذا كان الإنسان من أهل الاجتهاد مستوفيًا لشروطه التي ذكرها العلماء، فهذا لا يجوز له التقليد، وإنما يعمل بما ترجح عنده بالدليل الشرعي، وإن كان ممن يستطيع الوقوف على أدلة كل مذهب في المسألة والترجيح بينها، فهذا يلزمه العمل بما تظهر له قوته من دليل في أي مذهب كان، وهذه المرتبة مرتبة وسطى بين الاجتهاد والتقليد يسميها بعض العلماء بالتبصر، ويسميها آخرون بالاتباع، قال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر:17-18] . [النحل:43]

وأما من كان من العوام، فإنه يجوز له تقليد مذهب معين والعمل بما فيه، كما يجوز له أن لا يقلد مذهبًا، وما أشكل عليه سأل عنه من يثق في علمه وورعه، ولا يشترط معرفة الدليل في حقه، قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .

مع أن الأولى له أن يسأل العالم عن دليل المسألة، وعلى العالم أن يبينه له إلا إذا كان مأخذه خفيًا يعسر على العامي فهمه، قال صاحب المراقي:

ولك أن تسأل للتثبت عن مأخذ المسؤول لا التعنت

ثم عليه غاية البيان إن لم يكن عذر بالاكتنان

والتقليد الذي ذَّه الله تعالى في كتابه هو التقليد في الباطل، فكثيرًا ما يُبين للإنسان خطأ ما هو عليه من علم أو عمل فيصرُّ على خطئه تقليدًا لمذهبه أو شيخه، وهذا حاله كحال من قال الله فيهم: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) [الزخرف:22] .

وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب عليه التزام مذهب معين لأن كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

واتباع الشخص لمذهب معين لعجزه عن معرفة الشرع من جهته هو مما يسوغ، وليس مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق.

قال صاحب الإنصاف: وَأَمَّا لُزُومُ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ ، وَامْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ: فَفِيهِ وَجْهَانِ ، وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ،وَعَدَمُهُ أَشْهَرُ" [2] "

وقال في إعلام الموقعين:"وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ ؛ إذْ لَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلَمْ يُوجِب اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ عَلَى أَحَدٍ مِن النَّاسِ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِ رَجُلٍ مِنْ الْأُمَّةِ فَيُقَلِّدَهُ دِينَهُ دُونَ غَيْرِهِ" [3] .

وقال ابن مفلح في أصوله: عدم اللزوم قول جمهور العلماء. وقد رجحه ابن برهان والنووي، واستُدل لذلك بأن الصحابة لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم في بعض المسائل وبعضهم في البعض الآخر، وليس معنى ذلك أن ينتقل بين المذاهب أو لا يتقيد بمذهب بغية الترخص والتلاعب فإن هذا مذموم. قال أحمد رحمه الله: لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا. وفي السنن للبيهقي عن الأوزاعي أنه قال: من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام،وليكن قصده من ذلك تحري الصواب والوصول إلى الحق. والله أعلم. [4]

ــــــــــــــــ

(1) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 4317) -رقم الفتوى 17519 التقليد الفقهي بين الجواز وعدمه تاريخ الفتوى: 27 ربيع الأول 1423

(2) - الإنصاف - (ج 17 / ص 15)

(3) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 5 / ص 150)

(4) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 2486)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت