فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 164

قال الزركشي رحمه الله [1] :"فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ إلْكِيَا: يَلْزَمُهُ ،وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: لَا ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي ( أَوَائِلِ الْقَضَاءِ ) وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لَمْ يُنْكِرُوا عَلَى الْعَامَّةِ تَقْلِيدَ بَعْضِهِمْ مِن غَيْرِ تَقْلِيدٍ ."

وَقَدْ رَامَ بَعْضُ الْخُلَفَاءِ زَمَنَ مَالِكٍ حَمْلَ النَّاسَ فِي الْآفَاقِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ الْعِلْمَ فِي الْبِلَادِ بِتَفْرِيقِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا ، فَلَمْ يَرَ الْحَجْرَ عَلَى النَّاسِ ، وَرُبَّمَا نُودِيَ:"لَا يُفْتَى أَحَدٌ وَمَالِكٌ بِالْمَدِينَةِ"، قَالَ ابْنُ الْمُنَيَّرِ: وَهُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: لَا يُفْتَى أَحَدٌ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ مَالِكٌ بِالْأَهْلِيَّةِ .

وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: لَا تَحْمِلْ عَلَى مَذْهَبِك فَيُحْرَجُوا ، دَعْهُمْ يَتَرَخَّصُوا بِمَذَاهِبِ النَّاسِ [2] .

وَسُئِلَ عَن مَسْأَلَةٍ مِن الطَّلَاقِ فَقَالَ: يَقَعُ يَقَعُ ، فَقَالَ لَهُ الْقَائِلُ: فَإِنْ أَفْتَانِي أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، يَجُوزُ ؟ قَالَ: نَعَمْ وَدَلَّهُ عَلَى حَلْقَةِ الْمَدَنِيِّينَ فِي الرَّصَافَةِ ،فَقَالَ: إنْ أَفْتَوْنِي جَازَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ،وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُقَلِّدُونَ مَن شَاءُوا قَبْلَ ظُهُورِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِعَزَائِمِهِ" [3] .

وَتَوَسَّطَ ابْنُ الْمُنَيَّرِ فَقَالَ: الدَّلِيلُ يَقْتَضِي الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، لَا قَبْلَهُمْ [4] .

وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا قَبْلَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَمْ يُدَوِّنُوا مَذَاهِبَهُمْ وَلَا كَثُرَتْ الْوَقَائِعُ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى عُرِفَ مَذْهَبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمْ فِي كُلِّ الْوَقَائِعِ وَفِي أَكْثَرِهَا ، وَكَانَ الَّذِي يَسْتَفْتِي الشَّافِعِيَّ - مَثَلًا - لَاعِلْمَ لَهُ بِمَا يَقُولُهُ الْمُفْتِي ، لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ مَذْهَبُهُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعِةِ ، أَوْ لِأَنَّهَا مَا وَقَعَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعَضِّدَهُ إلَّا سِرٌّ خَاصٌّ ، وَأَمَّا بَعْدَ أَنْ فُهِمَتْ الْمَذَاهِبُ وَدُوِّنَتْ وَاشْتُهِرَتْ وَعُرِفَ الْمُرَخِّصُ مِن الْمُشَدِّدِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ ، فَلَا يَنْتَقِلُ الْمُسْتَفْتِي - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - مِن مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ إلَّا رُكُونًا إلَى الِانْحِلَالِ وَالِاسْتِسْهَالِ

وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَن أَبِي الْفَتْحِ الْهَرَوِيِّ أَحَدِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَنَّ مَذْهَبَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعَامِّيَّ لَا مَذْهَبَ لَهُ [5] ..

وقال أستاذنا الزحيلي:"التزام المذهب غير ملزم شرعًا ، وإلا كان ذلك تشريع شرع جديد ، كما قال شيخ الإسلام العز بن عبد السلام. وتقليد المذهب بجملته أولى وأحكم وأحوط ، بالنسبة لمن لا يحسن ترجيح الأدلة ، وهذا شأن الأغلبية الساحقة من الناس. أما الذي عنده قدرة على الترجيح وهو قليل جدًا فله أن يعمل بالحكم الذي يجده راجحًا لأن العبرة بقوة الدليل."

والعوام لا مذهب لهم ومذهبهم مذهب مفتيهم ، والعامي: من حفظ الأحكام الشرعية دون معرفة أدلتها.

فإن كان التقلب أو التلفيق بين المذاهب لهوى أو شهوة أو بقصد ، تتبع الأيسر دون حاجة فهو ممنوع شرعًا ، وإن كان لضرورة أو حاجة فهو جائز ولو ضمن دائرة صلاة واحدة.

وهذا الذي يأخذ بكل جزئية بمذهب ، له ذلك إن أفتاه به عالم معتبر ، وإلا فعليه اتباع مذهب معين منعًا من الاضطراب ، أما العمل بالحكم على جهل فغير جائز. وقد تؤدي اللا مذهبية إلى ضلالة وأخطاء." [6] "

وقال أيضًا [7] :"ويجوز تقليد كل مذهب إسلامي معتمد عند الأغلبية، وإن أدى إلى التلفيق ، عند الضرورة أو الحاجة أو العجز والعذر؛ لأن الصحيح جوازه عند المالكية وجماعة من الحنفية، كما يجوز الأخذ بأيسر المذاهب أو تتبع الرخص [8] عند الحاجة أو المصلحة لاعبثًا وتلهيًا وهوى؛ لأن دين الله يسر لا عسر، فيكون القول بجواز التلفيق من باب التيسير على الناس، قال الله تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } (185) سورة البقرة ، . قال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } (78) سورة الحج"

ولا يجوز تتبع الرخص عبثًا أو لهوى ذاتي، بأن يأخذ الإنسان من كل مذهب ماهو الأخف عليه، من غير ضرورة ولا عذر، سدًا لذرائع الفساد بالانحلال من التكاليف الشرعية، ولا يجوز التلفيق الذي يؤدي إلى نقض حكم الحاكم؛ لأن حكمه يرفع الخلاف درءًا للفوضى، ولا التلفيق الذي يؤدي إلى الرجوع عما عمل به المرء تقليدًا، أو إلى مصادمة أمر مجمع عليه، أو الوقوع في محظور شرعي، كالتزوج بامرأة بلا ولي ولا صداق ولا شهود، مقلدًا كل مذهب فيما لا يقول به الآخر ، أو تحليل المبتوتة بتزويجها من غلام صغير." [9] "

وقال أيضًا:"انقسم الأصوليون في هذه المسألة على آراء ثلاثة:"

1 -فقال بعضهم: يجب التزام مذهب إمام معين، لأنه اعتقد أنه حق، فيجب عليه العمل بمقتضى اعتقاده.

2-وقال أكثر العلماء: لا يجب تقليد إمام معين في كل المسائل والحوادث التي تعرض، بل يجوز أن يقلد أي مجتهد شاء، فلو التزم مذهبًا معينًا كمذهب أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما، لا يلزمه الاستمرار عليه، بل يجوز له الانتقال منه إلى مذهب آخر، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة، وإنما أوجب الله تعالى اتباع العلماء من غير تخصيص بواحد دون آخر، فقال عز وجل: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (7) سورة الأنبياء ، ولأن المستفتين في عصر الصحابة والتابعين، لم يكونوا ملتزمين بمذهب معين، بل كانوا يسألون من تهيأ لهم دون تقيد بواحد دون آخر، فكان هذا إجماعًا منهم على عدم وجوب تقليد إمام، أو اتباع مذهب معين في كل المسائل.

ثم إن القول بالتزام مذهب ما، يؤدي إلى الحرج والضيق، مع أن المذاهب نعمة وفضيلة ورحمة للأمة.

وهذا القول هو الراجح عند علماء الأصول.

3 -وفصل الآمدي والكمال بن الهمام في المسألة فقال: إن عمل الشخص بما التزمه في بعض المسائل بمذهب معين، فلا يجوز له تقليد الغير فيها، وإن لم يعمل في بعضها الآخر جاز له اتباع غيره فيها، إذ إنه لم يوجد في الشرع ما يوجب عليه اتباع ما التزمه، وإنما أوجب الشرع عليه اتباع العلماء دون تخصيص عالم دون آخر [10] .

يتلخص من هذا أن القول الأصح الراجح عند علماء الأصول [11] : هو عدم ضرورة الالتزام بمذهب معين، وجواز مخالفة إمام المذهب، والأخذ بقول غيره، لأن التزام المذهب غير ملزم، كما بينا. وبناء عليه فلا مانع إطلاقًا من حيث المبدأ في العصر الحاضر من اختيار بعض الأحكام الشرعية المقررة لدى علماء المذاهب، دون تقيد بجملة المذهب أو بتفصيلاته. وقال الشافعية: الأصح من كلام المتأخرين كالشيخ ابن حجر وغيره أنه يجوز الانتقال من مذهب إلى مذهب من المذاهب المدونة، ولو بمجرد التشهي، سواء انتقل دوامًا أو في بعض الحادثة، وإن أفتى أو حكم أو عمل بخلافه ما لم يلزم منه التلفيق" [12] ."

ــــــــــــــــ

(1) - البحر المحيط - (ج 8 / ص 261)

(2) - إرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 2 / ص 138)

(3) - المعجم الأوسط للطبراني برقم (6464) بلفظه ومسند أحمد برقم ( 6004 و6012) ابن عمر وتهذيب الآثار للطبري برقم (504 ) أبو هريرة وهو صحيح

(4) - قال الشوكاني ردا عليه:"وأعجب من هذا كله قول ابن المنير إن الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأربعة لا قبلهم فليت شعري ما هو هذا الدليل، وقد صان الله أدلة الشرع أن تدل على هذا بل وصان علماء الدين من المجتهدين أن يقولوا بمثل هذا التفصيل العليل،ولعله قول لبعض المقلدة فظنه هذا القائل دليلا".السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار - الرقمية - (ج 1 / ص 19) و وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الأصول - (ج 2 / ص 138)

قلت: قد ذكر ذلك الزركشي بعده تمامًا ، لأنه قبل الأئمة لم يكن هناك تدوين لمذهب فقهي ، فهم الذين دونت مذاهبهم وحفظت ، ووصلتنا صحيحة سليمة ، بينما مذاهب غيرهم لم تصلنا ، لأنها لم تدون وتحفظ كمذاهب الأئمة الأربعة .

وكَمْ من عائبٍ قَوْلًا صَحيحًا ... وآفتُه مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ

(5) - انظر فتاوى الأزهر - (ج 7 / ص 173) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 5 / ص 7262) و (ج 9 / ص 2345) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 86) وروضة الطالبين وعمدة المفتين - (ج 4 / ص 115) وتحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 12 / ص 491) و (ج 29 / ص 429) و (ج 29 / ص 434) و (ج 29 / ص 435) و (ج 9 / ص 204) وطبقات الشافعية - (ج 1 / ص 55)

قلت: وهذا هو الراجح في هذه المسألة

(6) - فتاوى الزحيلي - (ج 2 / ص 23) موقعه على النت

(7) - التلفيق: هو الإتيان بكيفية لايقول بها كل مجتهد على حدة.

(8) - تتبع الرخص: أن يأخذ الشخص من كل مذهب ماهو أهون له وأيسر فيما يطرأ عليه من المسائل قال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} (28) سورة النساء.

(9) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 9)

(10) - راجع فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت لابن عبد الشكور:402/2

(11) - شرح المحلي على جمع الجوامع: 328/2، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي: 3174، التقرير والتحبير: 344/3، شرح الإسنوي: 266/3، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: ص 193، ارشاد الفحول: ص 240، فتاوى الشيخ عليش: 60/1

(12) - الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية للسيد علوي بن أحمد السقّاف: ص51، ط البابي الحلبي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت