فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 164

وخلاصة الكلام المفهوم من كلام القرافي والشيخ عليش: إن المقلد إذا كان أهلًا للترجيح، وكان هناك قولان: راجح ومرجوح، فعليه النظر والترجيح. وإن كان القولان متكافئين لا راجح فيهما في نظره، جاز له الحكم بأحد القولين أو الترجيح بالأعلم أو بالأكثر أو بالأشد والأثقل [1] .

هذا هو الأصل العام عند العلماء في أنه يجب العمل بالراجح في الفتوى والقضاء والعمل إلا لعارض معتبر شرعًا، فإذا وجدت ضرورة أو حاجة أو مصلحة عامة للعمل بالقول المرجوح (الضعيف أو الشاذ) [2] أو اعتمد الحاكم قولًا مرجوحًا، جاز الأخذ به، كما بينت سابقًا، ولا إجماع في الحقيقة على منع الأخذ بالمرجوح بدليل وجود الاختلاف بين العلماء فيما يأخذ به المقلد من أقوال العلماء.

قيل: يأخذ بقول أعلمهم. وقيل: يأخذ بقول أكثرهم، وقيل: يأخذ بقول من شاء منهم، يعني وإن لم يكن قائله أعلم ولا أكثر، بل يكون مماثلًا أو أقل عددًا أو أدنى علمًا، وهذا هو عين القول الشاذ. وقد قال بعض المفسرين في سر قوله تعالى لداود عليه السلام: { فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} (26) سورة ص ،بعد أمره له أن يحكم بالحق: إن فيه إشارة إلى أن الامتثال لايكون بمجرد الحكم بالحق، حتى يكون الباعث على الحكم به حقيته، لا اتباع الهوى، فيكون معبود من اتصف بهذا هواه، لا مولاه جل وعلا، حتى إذا لم يجد هواه في الحق تركه، واتبع غير الله.

أما من قلد القول الشاذ لأنه حق في حق من قال به، وفي حق من قلده، ولم يحمله عليه مجرد الهوى، بل الحاجة والاستعانة على دفع ضرر ديني أو دنيوي، فهذا ترجى له السلامة في تقييده ذلك [3] .

وقال الشيخ عليش: أما التقليد في الرخصة من غير تتبع، بل عند الحاجة إليها في بعض الأحوال خوف فتنة ونحوها، فله ذلك [4] .

هذه هي ضوابط الأخذ بأيسر المذاهب - قي تقديرنا - فإذا ماالتزمناها نكون قد أخذنا بمبدأ الاعتدال والتوسط الذي قامت عليه شريعة الإسلام، والذي يتفق مع المنهج الذي ارتآه الخليفة أبو جعفر المنصور، حينما لقي الإمام مالك في الحج، فقال له: إنه لم يبق عالم غيري وغيرك. أما أنا فقد اشتغلت بالسياسة. فأما أنت فضع للناس كتابًا في السنة والفقه، تجنب فيه رخص ابن عباس، وتشديدات ابن عمر، وشواذ ابن مسعود، ووطئه توطيئًا. قال مالك: فعلمني كيفية التأليف. يعني دلَّه على طريقة الاعتدال. [5]

الفصل الثالث

الخلاصة في أحكام التلفيق

المبحث الأول -تعريف التلفيق:

التَّلْفِيقُ فِي اللُّغَةِ: الضَّمُّ ، وَهُوَ مَصْدَرُ لَفَّقَ ، وَمَادَّةُ لَفَّقَ لَهَا فِي اللُّغَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَعْنَى ، فَهِيَ تُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الضَّمِّ ، وَالْمُلاَءَمَةِ ، وَالْكَذِبِ الْمُزَخْرَفِ .

وَالتِّلْفَاقُ أَوِ اللِّفَاقُ بِكَسْرِهِمَا: ثَوْبَانِ يُلَفَّقُ أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ [6] .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ التَّلْفِيقَ بِمَعْنَى الضَّمِّ كَمَا فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي انْقَطَعَ دَمُهَا فَرَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً ، أَوْ يَوْمَيْنِ وَيَوْمَيْنِ بِحَيْثُ لاَ يُجَاوِزُ التَّقَطُّعُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عِنْدَ غَيْرِ الأَْكْثَرِينَ عَلَى مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . وَكَمَا هُوَ الْحَال فِي حُصُول الرَّكْعَةِ الْمُلَفَّقَةِ فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ لِلْمَسْبُوقِ [7] .

وَيَسْتَعْمِلُونَهُ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّوْفِيقِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ ، كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْجُعْل فِي رَدِّ الآْبِقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ [8] .

ــــــــــــــــ

(1) - الإحكام للقرافي: ص30، 80، فتاوى عليش: 65/1،69، 79

(2) - القول الشاذ: هو الذي ضعف مُدْرَكه جدًا.

(3) - فتاوى الشيخ عليش: 62/1.

(4) - المرجع السابق: 60/1.

(5) - انظر مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي 21/10/1425

،/12/2004، مجلة المجمع (ع 8، ج1 ص 41) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 17 / ص 154)

(6) - انظر الصحاح ، والقاموس ، واللسان ، والمصباح ، مادة:"لفق".

(7) - روضة الطالبين 1 / 162 ط المكتب الإسلامي ، وأسنى المطالب 1 / 255 ط المكتبة الإسلامية .

(8) - فتح القدير 4 / 435 - 436 ط الأميرية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت