الْمُرَادُ بِالتَّلْفِيقِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ أَخْذُ صِحَّةِ الْفِعْل مِنْ مَذْهَبَيْنِ مَعًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِبُطْلاَنِهِ عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمُفْرَدِهِ ، وَمِثَالُهُ: مُتَوَضِّئٌ لَمَسَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً بِلاَ حَائِلٍ وَخَرَجَ مِنْهُ نَجَاسَةٌ كَدَمٍ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ ، فَإِنَّ هَذَا الْوُضُوءَ بَاطِلٌ بِاللَّمْسِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَبَاطِلٌ بِخُرُوجِ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَلاَ يُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ تِلْكَ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَلاَ يُنْتَقَضُ أَيْضًا بِاللَّمْسِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ، فَإِذَا صَلَّى بِهَذَا الْوُضُوءِ ، فَإِنَّ صِحَّةَ صَلاَتِهِ مُلَفَّقَةٌ مِنَ الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا ، وَقَدْ جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: أَنَّ الْحُكْمَ الْمُلَفَّقَ بَاطِلٌ بِالإِْجْمَاعِ ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ التَّقْلِيدِ بَعْدَ الْعَمَل بَاطِلٌ اتِّفَاقًا ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمَذْهَبِ لأَِنَّ التَّقْلِيدَ مَعَ كَوْنِهِ جَائِزًا فَإِنَّ جَوَازَهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّلْفِيقِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ [1] .
وَفِي تَتَبُّعِ الرُّخَصِ ، وَفِي مُتَتَبِّعِهَا فِي الْمَذَاهِبِ خِلاَفٌ بَيْنَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ: وَالأَْصَحُّ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ امْتِنَاعُ تَتَبُّعِهَا لأَِنَّ التَّتَبُّعَ يُحِل رِبَاطَ التَّكْلِيفِ ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا تَبِعَ حِينَئِذٍ مَا تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ [2] .
بَل ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ فِسْقٌ ، وَالأَْوْجَهُ كَمَا فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ خِلاَفُهُ ، وَقِيل: مَحَل الْخِلاَفِ فِي حَالَةِ تَتَبُّعِهَا مِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ وَإِلاَّ فُسِّقَ قَطْعًا ، وَلاَ يُنَافِي ذَلِكَ قَوْل ابْنِ الْحَاجِبِ كَالآْمِدِيِّ: مَنْ عَمِل فِي مَسْأَلَةٍ بِقَوْل إِمَامٍ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَل فِيهَا بِقَوْل غَيْرِهِ اتِّفَاقًا ، لِتَعَيُّنِ حَمْلِهِ عَلَى مَا إِذَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ الْعَمَل الأَْوَّل مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَعَ الثَّانِي تَرَكُّبُ حَقِيقَةٍ لاَ يَقُول بِهَا كُلٌّ مِنَ الإِْمَامَيْنِ ، كَتَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ ، وَمَالِكٍ فِي طَهَارَةِ الْكَلْبِ فِي صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ . [3]
وَتَتَبُّعُهَا عِنْدَ مَنْ أَجَازَهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعَمَل بِقَوْلٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لِذَلِكَ الأَْخَفِّ [4] .
هَذَا وَالتَّلْفِيقُ الْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ مَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ بِالأَْخْذِ بِأَقْوَال عَدَدٍ مِنَ الأَْئِمَّةِ فِيهَا . أَمَّا الأَْخْذُ بِأَقْوَال الأَْئِمَّةِ فِي مَسَائِل مُتَعَدِّدَةٍ فَلَيْسَ تَلْفِيقًا وَإِنَّمَا هُوَ تَنَقُّلٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ أَوْ تَخَيُّرٌ مِنْهَا.
وقال أستاذها الزحيلي - حفظه الله -:"السائد بين الناس وفي المذاهب أن التلفيق لا يصح، ولكن التحقيق لدى العلماء أنه يجوز عند الضرورة أو الحاجة بشرط:"
1-ألا يؤدِّي إلى ما هو باطل إجماعًا.
2-وألاّ يؤدِّي إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على سياستها وحِكْمتها.
3-وألا يشتمل على تتبُّع الرخص عَمْدًا.
4-وألا يكون بعد العمل بمذهبٍ معيَّن.
5-وألاّ يؤدي إلى نقض حكم الحاكم الذي قضى في المسألة.
والتلفيق هو الإتيان بكيفية لا يقول بها كلُّ إمام إذا عُرض عليه الوضعُ الحاصل، كمن توضأ ولم يمسح إلا بعض رأسه تقليدًا للشافعي، ثم خرج منه دم وسال ولمس امرأتَه، فهذا الوضوء على الحالة التي صار إليها المتوضئ، هل تصح الصلاة به أو لا؟ إذا عُرض ذلك على الإمام الشافعيَّ فلا يُقِرُّه بسبب لمس المرأة، وإذا عُرض على الإمام أبي حنيفة فلا يُجيزه بسبب خروج الدم وكوْنِ المسح على أقل من رُبْع الرأس، وكذلك لو عُرض على الإمامين مالكٍ وأحمدَ فلا يُقرّانه، لأنه يُشترط عندهما مسحُ جميع الرأس.
والواقع أنه يجوز أداء الصلاة بهذا الوضوء عند الضرورة أو الحاجة. وهي عامّة وكثيرةُ الوقوع في الحياة بسبب الانهماك في الأشغال، لأن المصلي يقلِّد كلَّ إمام فيما لا يقول به الآخر. ومجموع المسألة لم يَقُلْ أحد بالنظر إليها، وإنما التقليد في المسألتين أمر منفصل، كلٌ منهما عن الأخرى، والعبادات مبنيّة على التسامح.
أما إن أدّى التلفيق إلى هدم دعائم الشريعة والقضاء على سياستها وحكمتها هو حرام وباطل، كمن تزوج امرأة بلا وليٍّ ولا شهود، مقلِّدًا أبا حنيفة في عدم اشتراط الولاية، ومقلِّدًا الإمام مالكًا في عدم اشتراط الشهادة بذاتها، ويكفي إعلان الزواج، وإن كان الراجح في المذهب المالكي أنه لابد من الشهادة. ولو بعد العقد، لجواز المعاشرة، فهذا الزواج باطل كالزنا تمامًا، لأن الأصل في الأبْضَاع (أي الفروج) التحريم.
ومن طلّق امرأته بلفظ (البتة) وكان حين الطلاق يرى أن هذا التعبير فسخ الزواج وليس طلاقًا بالثلاث، فله العَوْدة إلى الحياة الزوجية، لعدم تصوُّرِه وقوع الطلاق. أما إن كان يرى كوْنَ ذلك طلاقًا بائنًا بينونة كبرى فلا يحل له العودة إليها.
وإذا كان القصد من التلفيق مجرّدَ العَبَث، وبقصد تتبُّع رُخَص المذاهب، والعمل بأيسرها وأسهلها لديه، بحيث يؤدِّي ذلك إلى التحلُّل من الأحكام الشرعية، فلايجوز التلفيق، كمن يتحايل على إخراج الزكاة قُبَيْل نهاية الحَوْل الزَّكَوِي لديه بهبة ماله لشخص ثم استرداده: فهذا حرام لا يجوز بحال لأنه يؤدي للتخلُّص من الفريضة وإن قلّد في ذلك مذهب الحنفيّة، ومن تَتَبَّع الرخص في عقد زواج التحليل للبائن بينونة كبرى على صبيٍّ دون البلوغ مقلَّدًا مذهب الشافعية من غير شروطهم لم يصح.
وكذلك إن كان قصدُه مجرّدَ العبث واللهو لا لضرورة ولا لحاجة فلا يجوز.
ولا يجوز التلفيقُ أو تتبّعُ الرخص المذهبية بعد أن يفصل الحاكم في الموضوع، لأن حكمه يرفع الخلاف.
وكذلك إن عَمِل المقلد أو طبَّقَ المذهب في حادثة فلا يجوز أن يَعْدِلَ بعد العمل للأخذ بمذهب آخر، عملًا بمبدأ استقرار الأحكام. أما قبل العمل بمذهب، فلا مانع من الأخذ بغيره في جزئية، وإن ظل على العمل بمذهبه في المسائل الأخرى." [5] "
ــــــــــــــــ
(1) - حاشية ابن عابدين 1 / 51 و3 / 602 ط الأميرية .
(2) - جمع الجوامع مع حاشية البناني عليه 2 / 400 ط الحلبي .
(3) - نهاية المحتاج 1 / 41 ط المكتبة الإسلامية .
(4) - تيسير التحرير 4 / 254 ط الحلبي .
(5) - فتاوى الزحيلي - (ج 1 / ص 110)