فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 164

ثم قال الزركشي: فلو التزم مذهبا معينا كمالك والشافعي ، واعتقد رجحانه من حيث الإجمال ، فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل، ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر ؟ فيه مذاهب:

أحدهما: المنع، وبه جزم الجيلي في الإعجاز، لأن قول كل إمام مستقل بآحاد الوقائع ، فلا ضرورة إلى الانتقال إلا للتشهي ، ولما فيه من اتباع الترخص والتلاعب بالدين .

الثاني: الجواز ، وهو الأصح ، لأن الصحابة لم يوجبوا على العوام تعيين المجتهدين، لأن السبب، وهو أهلية المقلد للتقليد، عام بالنسبة إلى قوله، وعدم أهلية المقلد مقتض لعموم هذا الجواب، ووجوب الاقتصار على مفت واحد يخالف صيغة الأولين [1] .

ثم قال: واعلم أنا حيث قلنا بالجواز، فشرطه أن يعتقد رجحان ذلك المذهب الذي قلد في هذه المسألة . وعلى هذا فليس للعامي ذلك مطلقا، إذ لا طريق له إليه.

الثالث: أنه كالعامي، الذي لم يلتزم مذهبا معينا، فكل مسألة عمل فيها بقول إمامه ليس له تقليد غيره، وكل مسألة لم يعمل فيها بقوله فلا مانع فيها من تقليد غيره.

الرابع: إن كان قبل حدوث الحوادث فلا يجب التخصيص بمذهب. وإن حدث وقلد إماما في حادثة ، وجب عليه تقليده في الحوادث التي يتوقع وقوعها في حقه. وهو اختيار إمام الحرمين ، لأنه قبل تقرير المذاهب ممكن، أما بعده فلا، للخبط وعدم الضبط .

الخامس: إن غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهب غير مقلده أقوى من مقلده جاز ، قاله القدوري الحنفي.

السادس: وهو اختيار ابن عبد السلام في القواعد، التفصيل بين أن يكون المذهب الذي أراد الانتقال عنه بما ينقض الحكم أولا. فإن كان الأول ليس له الانتقال إلى حكم يجب نقضه لبطلانه، وإن كان المأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال، لأن الناس لم يزالوا كذلك في عصر الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة.

السابع: واختاره ابن دقيق العيد ، وهو الجواز بشروط، وهي نفس الشروط التي ذكرها يحيى الزناتي من قبل.

ويظهر في كل ما تقدم أن الالتزام بمذهب معين ليس بواجب وليس في الشريعة نصوص تدل على هذا الوجوب . لكن العلماء خوفا من التلاعب بالدين وتقويض دعائم الشريعة ، والقضاء على سماحتها وحكمتها، حكموا بمنع التلفيق في التقليد، سدا للذريعة لما رأوا قلة الورع، واتباع الهوى. ومنهم من أجازه بكامل الاحتياط واشترط شروطا من شأنها أن تضمن المحافظة على حكمة الشريعة وسياستها .

وعلى هذا فإن إباحة التلفيق مطلقا خطير جدا ، ولاسيما في هذا العصر الذي تغلب فيه الهوى ، فضعف فيه الوازع الديني، وانحط فيه مستوى الالتزام بمبادئ الشريعة وأحكامها ، وكثر دعاة الإباحية والعلمانية والعقلانية . مع العلم أن غالب المتخرجين من أصحاب الشهادات لا يعتمدون على أصول صحيحة , وليس لهم تطلع بعلم الفروع ولا باع يمكنهم من الإفتاء في الدين .

وجميع هذه الاعتبارات لا يمكن أن تكون مبررا للقول بمنع التلفيق ، ومنع الناس من أن ينالوا من رفق الله تعالى وتيسيره بحظ، ولو لم يكن فيه مشقة . وعلى المستفتي إذا كان من أرباب العزائم، وتحمل المشاق، والمقتنع بأسرار الشريعة ومقاصدها، أن يفتي بالأحوط أخذا بالورع والكمال ما لم تحق به نازلة تقتضي التخفيف فإنه يفتي بالأخف عليه من كل مذهب خشية العجز عن التكليف، فيما إذا شدد عليه بالمنع من التلفيق ومع كونه خاليا من دليل من الكتاب والسُّنَّة، يؤيد القول بهذا المذهب، فهو في الآن نفسه يتنافى مع يسر الإسلام ومرونته، ولا يتلاءم مع حاجيات هذا العصر وتطور الحياة الاجتماعية، لأن القضايا الفقهية المتجددة لا يمكن لها أن تحل إذا تقيدنا بمذهب فقهي واحد. وهذا التقيد يقف حجر عثرة أمام المسلمين لأن تعدد المذاهب الفقهية رحمة لهذه الأمة، فلا مانع من أن نستفيد من آراء مختلف الفقهاء والمجتهدين لدفع الحرج والمشقة.

ثم إن كل طبقة من طبقات العوام تفتى بما يناسبها تشديدا أوتخفيفا وفاقا لمقتضى اتساع الشريعة وحكمتها، مع العلم أن مواطن المحظورات لا يسوغ للعلماء التلفيق بها ، سواء بالنسبة لهم أو لمن يستفتيهم ، إلا في مواطن الضرورة، إذ الضرورات تبيح المحظورات ، لكن ما أبيح للضرورة يتقدر بقدرها . وإنما لم يسغ التلفيق في المحظورات للقاعدة المقررة: إن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، وعلى قاعدة أنه ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام على الحلال.

أما المحظورات العائدة إلى حقوق العباد فمبناها صيانة الحق، ومنع الإيذاء. لذلك لا محل فيه للتلفيق لأنه ضرب من الاحتيال، والعدوان على الحق، وتطرق إلى إيذاء العباد. وذلك للحديث الوارد « لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ » . [2] وحديث « لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا » . وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ « بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ » . [3] .

كما لا يجوز للمقلد أو المفتي أن يختار للفتوى أقوالا أو أفعالا من نوادر العلماء وشواذهم الذين لم تبن أقوالهم وآراؤهم على قواعد شرعية واضحة، وإنما حكم عليها من أول يوم بالضعف، وأجمعوا على عدم الاعتماد عليها.

4-الضابط في جواز التلفيق [4] :

ونخلص إلى القول بأن ضابط جواز التلفيق وعدم جوازه هو: أن كل ما أفضى إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على سياساتها وحكمتها فهو محظور.

وأما إذا كان التلفيق يؤيد دعائم الشريعة وما ترمي إليه حكمتها وسياساتها الكفيلتان بسعادة الدارين تيسيرًا عليهم في العبادات وصيانة لمصالحهم في المعاملات فهو مطلوب [5] .

قال يحيى الزناتي والروياني:"يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط:"

1-أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع . مثاله: من تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود . فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد .

2-أن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه ولا يقلد أميًا في عماية .

3-أن لا يتتبع رخص المذاهب .

ثم قال: والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة، وطرق إلى الخيرات فمن سلك منها طريقا وصله" [6] ."

ثم عقب على ذلك بقول غيره (الزناتي) : يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال إليها في كل ما لا ينقض فيه حكم الحاكم وهو أربعة:

ما خالف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي .

فإن أراد - رحمه الله - بالرخص هذه الأربعة فهو حسن متعين ، فإن ما لا نقره مع تأكده بحكم الحاكم فأولى أن لا نقره قبل ذلك... [7] .

وإن أراد بالرخص: ما فيه سهولة على المكلف كيفما كان ، يلزمه أن يكون من قلد مالكًا في المياه والأرواث ، وترك الألفاظ في العقود - مخالفًا لتقوى الله تعالى وليس كذلك .

قال الإسنوي:وتعقب الأول: بأن الجمع المذكور ليس بضائر، فإن مالكًا لم يقل: من قلد الشافعي في عدم الصداق أن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكون أنكحة الشافعي عنده باطلة ،ولم يقل الشافعي: إن من قلد مالكًا في عدم الشهود أن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكون أنكحة المالكية بلا شهود باطلة.

قال الإسنوي: لكن في هذا التوجيه نظر غير خاف .

ووافق ابن دقيق العيد الروياني على اشتراط أن لا يجتمع في صورة يقع الإجماع على بطلانها، وأبدل الشرط الثالث، بأن لا يكون ما قلده فيه ممما ينقض فيه الحكم لو وقع.

واقتصر الشيخ عز الدين بن عبد السلام على اشتراطه قال: وإن كان المأخذان متقاربين جاز.

والشرط الثاني: انشراح صدره للتقليد المذكور وعدم اعتقاده لكونه متلاعبًا بالدين متساهلًا فيه .

دليل هذا الشرط: قوله - صلى الله عليه وسلم - « الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ » [8] . فهذا التصريح بأن ما حاك في النفس ففعله إثم، اهـ.

قال الإسنوي: أما عدم اعتقاد كونه متلاعبًا بالدين متساهلًا فيه فلا بد منه.

وأما انشراح صدره للتقليد فليس على إطلاقه ، وفي مسند أحمد بلفظ « يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِى الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ » [9] .

قال الحافظ المتقن ابن رجب في الكلام على هذا الحديث مشيرًا للأول: إنه إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه ، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه وهو ما استنكر الناس فاعله وغير فاعله.

ومن هذا قول ابن مسعود (فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ سَيِّئٌ.) [10] . ومشيرًا إليه باللفظ الثاني (ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأن ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضا إثمًا ، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان. وكان المفتي له يفتي بمجرد الظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي . [11]

فأما ما كان مع المفتي به دليل فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره، وهذا كالرخص الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدر كثير من الجهال فهذا لا عبرة فيه.

فعن عَطَاءَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِى أُنَاسٍ مَعَهُ قَالَ أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى الْحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ - قَالَ عَطَاءٌ قَالَ جَابِرٌ - فَقَدِمَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَحِلَّ وَقَالَ « أَحِلُّوا وَأَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ » . قَالَ عَطَاءٌ قَالَ جَابِرٌ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُولُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلاَّ خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا فَنَأْتِى عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَذْىَ قَالَ وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا وَحَرَّكَهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّى أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ وَلَوْلاَ هَدْيِى لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ فَحِلُّوا فَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ » . فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . [12]

وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه، وكرهوا مفاوضته لقريش على أن يرجح من عامه وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم.

وبالجملة: فما ورد به النص فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [الأحزاب: 36] وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضى، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الرضى والإيمان به والتسليم له كما قال تعالى { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65] .وأما ما ليس فيه نص عن الله ورسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة - فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين شيء وحاك في صدره لشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعمله ولا دينه بل هو معروف باتباع الهوى - فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون، وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا اهـ [13] ..

والحق في مسألة التلفيق أنها كمسألة إحداث قول ثالث فيما إذا اختلفوا على قولين فقط - فكما أن الحق أن المجتهد لا يجوز أن يحدث قولًا ثالثًا إذا خرق إجماع المجتهدين في عصر، كمسألة الجد مع الإخوة، حيث اختلفوا في أن يشارك الأخوة أو يختص هو بالميراث ويحجب الأخوه، فهذا إجماع منهم على عدم حرمانه.

كذلك الحق هنا أن المقلد إذا قلد لا يجوز أن يلفق بين مذهبين في صورة لا يقول بها أحد من المجتهدين كافة، بأن تكون المسألة واحدة، حقيقة أو حكما ، أي بحيث لو لفق العمل بصورة لا يقول بها أحد منهم ويكون العمل فيها على خلاف إجماعهم .

ولذلك قال في مسلم الثبوت وشرحه بعد أن نقل جواز تتبع رخص المذاهب ما نصه: إنه لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا . فأجيب بمنع هذا الإجماع إذ في تفسيق متتبع الرخص عن الإمام أحمد روايتان فلا إجماع، ولعل رواية التفسيق إنما هو فيما إذا قصد التلهي فقط لا غيره [14] .

وقال في (التقرير على التحرير) : وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولا مقلد [15] .

وذكر بعض الحنابلة: إن قوي الدليل أو كان عاميا لا يفسق.

وفي روضة النووي: وأصلها عن حكاية الحناطي وغيره عن ابن أبي هريرة أن لا يفسق به .

ثم لعله محمول على نحو ما يجتمع له من ذلك ما لم يقل بمجموع مجتهد . فأين الإجماع بعد هذا ؟ !

وما أورد أنه يلزم على تقدير جواز الأخذ بكل مذهب احتمال الوقوع في خلاف المجمع عليه إذ ربما يكون المجموع الذي عمل به لم يقل به أحد فيكون باطلًا إجماعًا.. كمن تزوج بلا صداق عملًا بقول الإمامين أبي حنيفة والشافعي: ولا شهود، اتباعًا لقول الإمام مالك ولا ولي، على قول الإمام أبي حنيفة - فهذا النكاح باطل اتفاقًا . أما عندنا فلانتفاء الشهود ، وأما عند غيرنا فلانتفاء الولي، فهو مندفع لعدم اتحاد المسألة، وإن الإجماع على نفي القول الثالث إنما يكون إذا اتحدت المسألة حقيقة أو حكمًا.

ولأنه لو تم لزم استفتاء مفت معين وإلا احتمل الوقوع فيما ذكر .

فأنت ترى أن يؤخذ من هذا أن مسألة التلفيق مبنية على مسألة إحداث قول ثالث، فهو إنما يمتنع إذا تحقق أن المجموع الذي عمل به مخالف لإجماع جميع المجتهدين بحيث لو وجد مجتهد لم يجز له أن يقول بهذا المجموع، وهيهات أن يتحقق ذلك.

الفصل الرابع

قضايا تتعلق بالتقليد

المبحث الأول - حكم من قال: أنا أتبع الكتاب والسُّنَّة فقط:

َسُئِلَ ابن تيمية رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءَ أَئِمَّةُ الدِّينِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ أَجْمَعِينَ - فِي رَجُلٍ سُئِلَ إيش مَذْهَبُك ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدِيٌّ أَتَّبِعُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَقِيلَ لَا: يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَتَّبِعَ مَذْهَبًا وَمَن لَا مَذْهَبَ لَهُ فَهُوَ شَيْطَانٌ فَقَالَ: إيش كَانَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ - ؟ فَقِيلَ لَهُ: لَا يَنْبَغِي لَك إلَّا أَنْ تَتَّبِعَ مَذْهَبًا مِن هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فَأَيُّهُمَا الْمُصِيبُ ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ [16] .

فَأَجَابَ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ . إنَّمَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ طَاعَةُ اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَهَؤُلَاءِ أُولُوا الْأَمْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِمْ فِي قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ..} (59) سورة النساء ،إنَّمَا تَجِبُ طَاعَتُهُمْ تَبَعًا لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا اسْتِقْلَالًا ثُمَّ قَالَ: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (59) سورة النساء .

وَإِذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِ نَازِلَةٌ فَإِنَّهُ يَسْتَفْتِي مَن اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُفْتِيهِ بِشَرْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِن أَيِّ مَذْهَبٍ كَانَ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِن الْمُسْلِمِينَ تَقْلِيدُ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مِن الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِن الْمُسْلِمِينَ الْتِزَامُ مَذْهَبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - فِي كُلِّ مَا يُوجِبُهُ وَيُخْبِرُ بِهِ ، بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِن النَّاسِ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - [17] . وَاتِّبَاعُ شَخْصٍ لِمَذْهَبِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ لِعَجْزِهِ عَن مَعْرِفَةِ الشَّرْعِ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ إنَّمَا هُوَ مِمَّا يَسُوغُ لَهُ لَيْسَ هُوَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إذَا أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ الشَّرْعِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ، بَلْ كُلُّ أَحَدٍ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَيَطْلُبَ عِلْمَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَيَفْعَلَ الْمَأْمُورَ وَيَتْرُكَ الْمَحْظُورَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ"."

قلت: لم يجهز على الجواب كما ترى ، وفي جواب ذاك الرجل عدة مغالطات أهمها:

قوله عن مذهبه (مُحَمَّدِيٌّ أَتَّبِعُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - )

فهذا فيه مغالطة مكشوفة ، فهل للأئمة أو أتباعهم مذهب غير ذلك ؟.

وهل كانوا متبعين غير الكتاب والسُّنَّة ؟!!

وهل وصل لنا القرآن والسُّنَّة إلا من طريقهم ؟

وهل بمقدور أيِّ واحد منا أن يستنبط الأحكام الشرعية من الكتاب والسُّنَّة مباشرة ، أم أنه سيقلد المفسرين، وسيقلد المحدِّثين ،وسيقلد علماء الجرح والتعديل ، وسيقلد... فهل هذا متبع للكتاب والسُّنَّة أم أنه مقلِّد لغيره سواء أكان المقلَّد مصيبًا أم مخطئًا ؟

فهذا غير مقدور لسائر الناس ، فكيف بمن يحرِّم التقليد ، ويدعو الناس لاتباع الكتاب والسُّنَّة على حد زعمه ؟!!

وهو لا يعدو إلا أن يكون مقلدا لهذا أو ذاك !!!

وأمَّا قول من قال: ( يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَتَّبِعَ مَذْهَبًا، وَمَن لَا مَذْهَبَ لَهُ فَهُوَ شَيْطَانٌ)

نعم فهو قول صحيح بالنسبة للغالبية العظمى من الأمة ، لأنهم غير قادرين على تمييز الغث من السمين ، والصحيح من الضعيف ، ولا شك أن الشيطان يسوِّلُ لبعض الناس ذلك ، فيقول لهم: أنتم أعلم من الأئمة ، فما وصلكم من كتب التفسير وكتب الحديث وشروحها وكتب الفقه وكتب الأصول وكتب اللغة أكثر مما وصل للأئمة السابقين ، فأنتم أعلم منهم ، فهم رجال وأنتم رجال !!! [18]

فيصدِّقونه بهذا ، ثم يتحللون من المذاهب وأصحابها ، ثم يدَّعون الاجتهاد، ويأمرون الناس بذلك ، ومن لم يوافقهم في هذا الزعم فهو مخالف للكتاب والسُّنَّة، متبع غير سبيل المؤمنين ؟!!

بل ويحفظون عددا من الآيات والأحاديث التي يخيفون بها من خالفهم ، بأنه مبتدع في الدِّين ، والنصوص قد نهت عن التقليد ، والأئمة قد نهوا عنه أيضًا .

وفات هؤلاء الجهال أن أول من شرع التقليد هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ففي سنن أبى داود (2342 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ إِنِّى رَأَيْتُ الْهِلاَلَ - يَعْنِى رَمَضَانَ - فَقَالَ: « أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ » . قَالَ نَعَمْ. قَالَ: « أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ » . قَالَ نَعَمْ. قَالَ « يَا بِلاَلُ أَذِّنْ فِى النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا » . وهو حديث صحيح ولا حجة لمن ضعفه . [19]

(1) - البحر المحيط للزركشي: 6 /320.

(2) - موطأ مالك (1435 ) صحيح لغيره

(3) - صحيح مسلم (6706 )

(4) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 15655)

(5) - الباني: عمدة التحقيق بتصرف (ص111 - 220) .

(6) - القرافي: شرح تنقيح الفصول (ص 432) .

(7) - أمير بادشاه على التحرير 3 / 352.

(8) - صحيح مسلم (6680 )

(9) - مسند أحمد (18491) وفيه لين

(10) - المعجم الأوسط للطبراني (3740 ) حسن

(11) - الإسنوي: نهاية السول 4 / 627.

(12) - صحيح البخارى (7367)

(13) - الإسنوي: نهاية السول. 3 / (626 - 629) . و جامع العلوم والحكم 240 الحديث السابع والعشرون

(14) - فواتح الرحموت بهامش المستصفى 2 / 206.

(15) - التقرير 3 / 351.

(16) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 4 / ص 280)

(17) - مجموع الفتاوى - (ج 2 / ص 227) و (ج 13 / ص 259) و (ج 20 / ص 209) و (ج 20 / ص 211) و (ج 20 / ص 232) و (ج 27 / ص 241) و (ج 33 / ص 28) و (ج 1 / ص 210) والفتاوى الكبرى - (ج 4 / ص 300) و (ج 7 / ص 211) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 967) و (ج 4 / ص 9967) و (ج 6 / ص 49) و (ج 6 / ص 49) و (ج 9 / ص 4669) و (ج 10 / ص 1051) ومن أصول الفقه على منهج أهل الحديث - الرقمية - (ج 1 / ص 175)

(18) - قلت: فهم لا يشتركون معهم إلا بالصفات الجِبِليَّة الخلْقية فقط .

(19) - سنن الترمذى ( 695 ) وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِى الصِّيَامِ . وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِىُّ وَأَحْمَدُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ. قَالَ إِسْحَاقُ لاَ يُصَامُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِى الإِفْطَارِ أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ فِيهِ إِلاَّ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت