أ - يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُحْسِنَ زِيَّهُ ، مَعَ التَّقَيُّدِ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي ذَلِكَ ، فَيُرَاعِيَ الطَّهَارَةَ وَالنَّظَافَةَ ، وَاجْتِنَابَ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ شِعَارَاتِ الْكُفَّارِ ، وَلَوْ لَبِسَ مِنَ الثِّيَابِ الْعَالِيَةِ لَكَانَ أَدْعَى لِقَبُول قَوْلِهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (32) سورة الأعراف، وَلأَِنَّ تَأْثِيرَ الْمَظْهَرِ فِي عَامَّةِ النَّاسِ لاَ يُنْكَرُ ، وَهُوَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَالْقَاضِي [1] .
ب - وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ سِيرَتَهُ ، بِتَحَرِّي مُوَافَقَةِ الشَّرِيعَةِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ، لأَِنَّهُ قُدْوَةٌ لِلنَّاسِ فِيمَا يَقُول وَيَفْعَل ، فَيَحْصُل بِفِعْلِهِ قَدْرٌ عَظِيمٌ مِنَ الْبَيَانِ ، لأَِنَّ الأَْنْظَارَ إِلَيْهِ مَصْرُوفَةٌ ، وَالنُّفُوسَ عَلَى الاِقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ مَوْقُوفَةٌ [2] .
ج - وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصْلِحَ سَرِيرَتَهُ وَيَسْتَحْضِرَ عِنْدَ الإِْفْتَاءِ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ مِنْ قَصْدِ الْخِلاَفَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَيَانِ الشَّرْعِ ، وَإِحْيَاءِ الْعَمَل بِالْكِتَابِ والسُّنَّة ، وَإِصْلاَحِ أَحْوَال النَّاسِ بِذَلِكَ ، وَيَسْتَعِينَ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَسْأَلَهُ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ ، وَعَلَيْهِ مُدَافَعَةُ النِّيَّاتِ الْخَبِيثَةِ مِنْ قَصْدِ الْعُلُوِّ فِي الأَْرْضِ وَالإِْعْجَابِ بِمَا يَقُول ، وَخَاصَّةً حَيْثُ يُخْطِئُ غَيْرُهُ وَيُصِيبُ هُوَ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَحْنُونٍ: فِتْنَةُ الْجَوَابِ بِالصَّوَابِ أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَال . [3]
د - وَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا بِمَا يُفْتِي بِهِ مِنَ الْخَيْرِ ، مُنْتَهِيًا عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ ، لِيَتَطَابَقَ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ ، فَيَكُونُ فِعْلُهُ مُصَدِّقًا لِقَوْلِهِ مُؤَيِّدًا لَهُ ، فَإِنْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ كَانَ فِعْلُهُ مُكَذِّبًا لِقَوْلِهِ ، وَصَادًّا لِلْمُسْتَفْتِي عَنْ قَبُولِهِ وَالاِمْتِثَال لَهُ ، لِمَا فِي الطَّبَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ التَّأَثُّرِ بِالأَْفْعَال ، وَلاَ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الإِْفْتَاءُ فِي تِلْكَ الْحَال ، إِذْ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَلَهُ زَلَّةٌ ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مُؤْتَمِرًا مُنْتَهِيًا ، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ مُخَالَفَتُهُ مُسْقِطَةً لِعَدَالَتِهِ ، فَلاَ تَصِحُّ فُتْيَاهُ حِينَئِذٍ . [4]
هـ - أَنْ لاَ يُفْتِيَ حَال انْشِغَال قَلْبِهِ بِشِدَّةِ غَضَبٍ أَوْ فَرَحٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ إِرْهَاقٍ أَوْ تَغَيُّرِ خُلُقٍ ، أَوْ كَانَ فِي حَال نُعَاسٍ ، أَوْ مَرَضٍ شَدِيدٍ ، أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ ، أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ ، أَوْ مُدَافَعَةِ الأَْخْبَثَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْحَاجَاتِ الَّتِي تَمْنَعُ صِحَّةَ الْفِكْرِ وَاسْتِقَامَةَ الْحُكْمِ [5] .
لِقَوْل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهْوَ غَضْبَانُ » [6] .
فَإِنْ حَصَل لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الإِْفْتَاءِ حَتَّى يَزُول مَا بِهِ وَيَرْجِعَ إِلَى حَال الاِعْتِدَال . فَإِنْ أَفْتَى فِي حَال انْشِغَال الْقَلْبِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الصَّوَابِ صَحَّتْ فُتْيَاهُ وَإِنْ كَانَ مُخَاطِرًا [7] لَكِنْ قَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِكَوْنِ ذَلِكَ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ أَصْل الْفِكْرِ .
فَإِنْ أَخْرَجَهُ الدَّهَشُ عَنْ أَصْل الْفِكْرِ لَمْ تَصِحَّ فُتْيَاهُ قَطْعًا وَإِنْ وَافَقَتِ الصَّوَابَ [8] .
و- إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ وَدِينِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ ، وَلاَ يَسْتَقِل بِالْجَوَابِ تَسَامِيًا بِنَفْسِهِ عَنِ الْمُشَاوَرَةِ ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (159) سورة آل عمران ،وَعَلَى هَذَا كَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ، وَخَاصَّةً عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَالْمَنْقُول مِنْ مُشَاوَرَتِهِ لِسَائِرِ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ ، وَيُرْجَى بِالْمُشَاوَرَةِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنِ الْمُشَاوَرَةُ مِنْ قَبِيل إِفْشَاءِ السِّرِّ . [9]
ز - الْمُفْتِي كَالطَّبِيبِ يَطَّلِعُ مِنْ أَسْرَارِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ عَلَى مَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَقَدْ يَضُرُّ بِهِمْ إِفْشَاؤُهَا أَوْ يُعَرِّضُهُمْ لِلأَْذَى ، فَعَلَيْهِ كِتْمَانُ أَسْرَارِ الْمُسْتَفْتِينَ ، وَلِئَلاَّ يَحُول إِفْشَاؤُهُ لَهَا بَيْنَ الْمُسْتَفْتِي وَبَيْنَ الْبَوْحِ بِصُوَرِهِ الْوَاقِعَةِ إِذَا عَرَفَ أَنَّ سِرَّهُ لَيْسَ فِي مَأْمَنٍ . [10]
ــــــــــــــــ
(1) - الإحكام للقرافي ص271 ، وشرح المنتهى 3 / 468
(2) - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام - (ج 1 / ص 59)
(3) - صفة الفتوى لابن حمدان ص11 ، وإعلام الموقعين 4 / 172 .
(4) - الموافقات للشاطبي 4 / 252 - 258 .
(5) - إعلام الموقعين 4 / 227، وصفة الفتوى لابن حمدان ص34 .
(6) - صحيح البخارى (7158 )
(7) - إعلام الموقعين 4 / 227، وصفة الفتوى لابن حمدان ص34 .
(8) - الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 140 .
(9) - إعلام الموقعين 4 / 256، والمجموع للنووي 1 / 48 .
(10) - بصرة الحكام لابن فرحون 11 / 220 بهامش فتح العلي المالك وإعلام الموقعين 4 / 257 .