المبحث الخامس -شُرُوطُ مَن يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ [1] :
لاَ يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَسْتَفْتِيَ إِلاَّ مَن يَعْرِفُهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ ، أَمَّا مَن عَرَفَهُ بِالْجَهْل فَلاَ يَسْأَلُهُ اتِّفَاقًا ، وَكَذَا لاَ يَسْأَل مَن عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَن غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِن أَهْل الْعِلْمِ ، لِمَا يَرَاهُ مِنَ انْتِصَابِهِ لِلْفُتْيَا وَأَخْذِ النَّاسِ عَنهُ بِمَشْهَدٍ مِن أَهْل الْعِلْمِ ، وَمَا يَلْمَحُهُ فِيهِ مِن سِمَاتِ أَهْل الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالسَّتْرِ ، أَوْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ ثِقَةٌ . قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ [2] : لاَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى إِلاَّ مَن يُفْتِي بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ . أَمَّا مَجْهُول الْحَال فِي الْعِلْمِ فَلاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ إِذْ قَدْ يَكُونُ أَجْهَل مِنَ السَّائِل . وَأَمَّا مَجْهُول الْحَال فِي الْعَدَالَةِ فَقَدْ قِيل: لاَ بُدَّ مِنَ السُّؤَال عَنهُ مِن عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ كَذِبَهُ وَتَدْلِيسَهُ ، وَقِيل: لاَ يَلْزَمُ السُّؤَال عَنِ الْعَدَالَةِ ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْعُلَمَاءِ الْعَدَالَةُ [3] .
وَلاَ يُقَلِّدُ مُتَسَاهِلًا فِي الْفُتْيَا [4] ، وَلاَ مَن يَبْتَغِي الْحِيَل الْمُحَرَّمَةَ ، وَلاَ مَن يَذْهَبُ إِلَى الأَْقْوَال الشَّاذَّةِ الَّتِي يُنْكِرُهَا الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ [5] .
المبحث السادس -مَن يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ:
تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ هُوَ الْعَامِّيُّ وَمَن عَلَى شَاكِلَتِهِ مِن غَيْرِ الْقَادِرِينَ عَلَى الاِجْتِهَادِ . وَكَذَلِكَ مَن لَهُ أَهْلِيَّةُ الاِجْتِهَادِ إِذَا اسْتَشْعَرَ الْفَوَاتَ لَوِ اشْتَغَل بِالاِجْتِهَادِ فِي الأَْحْكَامِ ، فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا . فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ لَوْ أَرَادَ التَّقْلِيدَ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَإِمْكَانِ الاِجْتِهَادِ فَقَدْ قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ . وَقِيل: يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ .
وَدَلِيل الْقَوْل بِأَنَّ الاِجْتِهَادَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ يُضَاهِي النَّصَّ ، فَلاَ يَعْدِل عَنِ الاِجْتِهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ ، كَمَا لاَ يَعْدِل عَنِ النَّصِّ إِلَى الْقِيَاسِ [6] .
أَمَّا إِنِ اجْتَهَدَ مَن هُوَ أَهْلٌ لِلاِجْتِهَادِ ، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَصِيرَ إِلَى الْعَمَل أَوِ الإِْفْتَاءِ بِقَوْل غَيْرِهِ تَقْلِيدًا لِمَن خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ، قَال صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ:"إِجْمَاعًا"أَيْ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ ، لأَِنَّ مَا عَلِمَهُ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ فَلاَ يَتْرُكُهُ لِقَوْل أَحَدٍ . وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُجْتَهِدَ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ نَفَذَ حُكْمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةٍ ، وَلَمْ يَنْفُذْ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى ، وَلاَ عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَن أَبِي حَنِيفَةَ [7] .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِتَجَزُّؤِ الاِجْتِهَادِ يَجِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ أَنْ يُقَلِّدَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ حُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِ ، فَيَكُونُ مُجْتَهِدًا فِي الْبَعْضِ مُقَلِّدًا فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ ، وَلَكِنْ قِيل: إِنَّهُ مَا دَامَ عَالِمًا فَلاَ يُقَلِّدُ إِلاَّ بِشَرْطِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الصِّحَّةِ ، بِأَنْ يُظْهِرَهُ لَهُ الْمُجْتَهِدُ الآْخَرُ [8] .
وَأَيْضًا قَدْ يُقَلِّدُ الْعَالِمَ فِي الثُّبُوتِ ، كَمَن قَلَّدَ الْبُخَارِيَّ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ يَجْتَهِدُ فِي الدَّلاَلَةِ أَوِ الْقِيَاسِ أَوْ دَفْعِ التَّعَارُضِ بِنَاءً عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِ [9] .
وقال الرازي:"اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد؟ منهم من حكم بالجواز واحتج بهذه الآية فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالمًا وجب عليه الرجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالمًا لقوله تعالى: { فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } فإن لم يجب فلا أقل من الجواز" [10] .
وقال الألوسي:"وصحح هو - السيوطي- وغيره امتناع التقليد على المجتهد مطلقًا سواء كان له قاطع أو لا وسواء كان مجتهدًا بالفعل أو له أهلية الاجتهاد ، ومقتضى كلامهم أنه لا فرق بين تقليد أحد أئمة المذاهب الأربع وتقليد غيره من المجتهدين . نعم ذكر العلامة ابن حجر وغيره أنه يشترط في تقليد الغير أن يكون مذهبه مدونًا محفوظ الشروط والمعتبرات فقول السبكي: إن مخالف الأربعة كمخالف الإجماع محمول على ما لم يحفظ ولم تعرف شروطه وسائر معتبراته من المذاهب التي انقطع حملتها وفقدت كتبها كمذهب الثوري . والأوزاعي . وابن أبي ليلى . وغيرهم ، ثم إن تقليد الغير بشرطه إنما يجوز في العمل ،وأما للإفتاء والقضاء فيتعين أحد المذاهب الأربع ، واستشكل الفرق العلامة ابن قاسم العبادي ، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون الفرق أنه يحتاط فيهما لتعديهما ما لا يحتاط في العمل فيتركان لأدنى محذور ولو محتملًا ، ونظير ذلك ما ذكره بعض الشافعية في القولين المتكافئين أنه لا يفتي ولا يقضي بكل منهما لاحتمال كونه مرجوحا، ويجوز العمل به؛ وذكر الإمام أن من الناس من جوز التقليد للمجتهد لهذه الآية فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالمًا وجب عليه الرجوع إلى المجتهد العالم لقوله تعالى: {فاسألوا} الآية فإن لم يجب فلا أقل من الجواز ، وأيد ذلك بأن بعض المجتهدين نقلوا مذاهب بعض الصحابة وأقروا الحكم عليها ، والصحيح ما سمعت أولًا ، وما ذكر ليس بتقليد بل هو من باب موافقة الاجتهاد الاجتهاد" [11] .
ــــــــــــــــ
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 13 / ص 162) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 11 / ص 363)
(2) - الفتاوى الكبرى - (ج 8 / ص 427)
(3) - المستصفى 2 / 390 ، وروضة الناظر 2 / 452 .
(4) - ككثير من فقهاء هذا العصر الذين يبيحون الربا أو موالاة الكفار أو يشترون بآيات الله ثمنا قليلا
(5) - مطالب أولي النهى 6 / 441 ، 446 ، 447 ، وتبصرة الحكام 1 / 52 ، القاهرة المطبعة العامرة الشرفية 1301 هـ .
(6) - البرهان للجويني 2 / 1340 بتحقيق د . عبد العظيم الديب ، نشر على نفقة أمير قطر ، 1399هـ ، وروضة الطالبين 11 / 100
(7) - مسلم الثبوت 2 / 392 ، 393 .
(8) - مسلم الثبوت 2 / 402 .
(9) - المصدر نفسه 2/402
(10) - تفسير الرازي - (ج 9 / ص 393)
(11) - تفسير الألوسي - (ج 10 / ص 172)