فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 164

وفي جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ - بَابُ جِامِعِ بَيَانِ مَا يَلْزَمُ النَّاظِرَ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ (1066) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ثنا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ بِمِصْرَ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ، ثنا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ ، ح وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ: نا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ زِيَادٍ الْمَدَائِنِيُّ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ"فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصِيرُ مِنْهُمَا إِلَى مَا وَافَقَ الْكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ أَوِ الْإِجْمَاعَ أَوْ كَانَ أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ وَقَالَ فِي قَوْلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ: إِذَا لَمْ يُحْفَظْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ صِرْتُ إِلَيْهِ وَأَخَذْتُ بِهِ إِذَا لَمْ أَجِدْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إِجْمَاعًا وَلَا دَلِيلًا مِنْهَا هَذَا إِذَا وَجَدْتُ مَعَهُ الْقِيَاسَ ، قَالَ: وَقَلَّ مَا يُوجَدُ ذَلِكَ"قَالَ الْمُزَنِيُّ:"فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ قَبِلَ قَوْلَهُ بِحُجَّةٍ فَفِي هَذَا مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ فِي كُلِّ قَرْنٍ يُنْكِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ قَضَاءٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنْ لَا يُقَالَ إِلَّا بِحُجَّةٍ وَأَنَّ الْحَقَّ فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقُضَاةِ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْمُفْتِيَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ وَيُفْتِيَ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَبِمَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ وَعَالِمًا بِالسُّنَنِ وَالْآثَارِ وَعَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ ، حَسَنَ النَّظَرِ صَحِيحَ الْأَوَدِ وَرِعًا مُشَاوِرًا فِيمَا اشْتُبِهَ عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مِصْرٍ يَشْتَرِطُونَ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْمُفْتِيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ"، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَمَرَّةً قَالَ: أَمَّا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآخُذُ بِقَوْلِ مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ وَلَا أَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِهِمْ وَإِنَّمَا يَلْزَمُنِي النَّظَرُ فِي أَقَاوِيلِ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ دُونَهُمْ"قَالَ أَبُو عُمَرَ:"قَدْ جَعَلَ لِلصِّحَابَةِ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ وَأَظُنُّهُ مَالَ إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ"وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَإِلَى نَحْوِ هَذَا كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَذْهَبُ""

وفي الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ - بَابُ أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِذَا تَفَرَّقُوا فِيهَا وَيُسْتَدَلُّ بِهِ (21 ) أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ , أَبْنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"مَا كَانَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فَالْعُذْرُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُمَا مَقْطُوعٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهِمَا , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِرْنَا إِلَى أَقَاوِيلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ وَاحِدِهِمْ , ثُمَّ كَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ،"إِذَا صِرْنَا إِلَى التَّقْلِيدِ أَحَبَّ إِلَيْنَا وَذَلِكَ إِذَا لَمْ نَجِدْ دَلَالَةً فِي الِاخْتِلَافِ تَدُلُّ عَلَى أَقْرَبِ الِاخْتِلَافِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَنَتَّبِعُ الْقَوْلَ الَّذِي مَعَهُ الدَّلَالَةُ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ مَشْهُورٌ مَا يَلْزَمُ النَّاسَ , وَمَنْ لَزِمَ قَوْلُهُ النَّاسَ كَانَ أَشْهَرَ مِمَّنْ يُفْتِي الرَّجُلَ أَوِ النَّفْرَ ، وَقَدْ يَأْخُذُ بُفُتْيَاهُ وَيدَعُهَا وَأَكْثَرُ الْمُفْتِينَ يُفْتُونَ الْخَاصَّةَ فِي بُيوتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ , وَلَا يُعْنَى الْعَامَّةُ بِمَا قَالُوا عِنَايَتَهُمْ بِمَا قَالَ الْإِمَامُ , وَقَدْ وَجَدْنَا الْأَئِمَّةَ يُنْتَدَبُونَ فَيُسْأَلُونَ عَنِ الْعِلْمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا أَرَادُوا , وَأَنْ يَقُولُوا فِيهِ وَيَقُولُونَ ، فَيُخْبَرُونَ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ فَيَقْبَلُونَ مِنَ الْمُخْبِرِ وَلَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ أَنْ يَرْجِعُوا لِتَقْوَاهُمُ اللَّهَ وَفَضْلِهِمْ فِي حَالَاتِهِمْ , فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنِ الْأَئِمَّةِ فَأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْأَمَانَةِ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِمْ وَكَانَ اتِّبَاعُهُمْ أَوْلَى بِنَا مِنَ اتِّبَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ"قَالَ: وَالْعِلْمُ طَبَقَاتٌ: الْأُولَى: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ , ثُمَّ الثَّانِيةُ: الْإِجْمَاعُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سَنَةٌ , وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْهُمْ , وَالرَّابِعَةُ: اخْتِلَافُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ , وَالْخَامِسَةُ: الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ وَلَا يُصَارُ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ , وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ مِنْ أَعْلَى وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ , بَعْدَ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِمَا هُمْ أَهْلُهُ ، فَقَالَ:"وَهُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرِعٍ وَعَقْلٍ وَأَمْرٍ اسْتُدْرِكَ بِهِ عِلْمٌ وَاسْتُنْبِطَ بِهِ , وَآرَاؤُهُمْ لَنَا أَحْمَدُ وَأَوْلَى بِنَا مِنْ آرَائِنَا عِنْدَنَا لِأَنْفُسِنَا , وَ اللَّهُ أَعْلَمُ , وَمَنْ أَدْرَكْنَا مِمَّنْ أَرْضِي أَوْ حُكِيَ لَنَا عَنْهُ بِبَلَدِنَا صَارُوا فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ سَنَةً إِلَى قَوْلِهِمْ إِنِ اجْتَمِعُوا ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنْ تَفَرَّقُوا ، فَهَكَذَا نَقُولُ إِذَا اجْتَمَعُوا أَخَذْنَا بِاجْتِمَاعِهِمْ ، وَإِنْ قَالَ وَاحِدُهُمْ وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِ , فَإِنِ اخْتَلَفُوا أَخَذْنَا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ وَلَمْ نُخَرِّجْ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ كُلِّهِمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلَانِ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ نَظَرْتُ ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا أَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ أَشْبَهُ بِسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذْتُ بِهِ , لِأَنَّ مَعَهُ شَيْئًا يَقْوَى بِمِثْلِهِ لَيْسَ مَعَ الَّذِي يُخَالِفُهُ مِثْلُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ دَلَالَةٌ بِمَا وَصَفْتُ كَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَرْجَحُ عِنْدَنَا مِنْ أَحَدٍ ، لَوْ خَالَفَهُمْ غَيْرُ إِمَامٍ وَذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَقَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْقَوْلِ دَلَالَةٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سَنَةٍ كَانَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، أَوْ عُمَرَ ، أَوْ عُثْمَانَ ، أَوْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِمْ إِنْ خَالَفَهُمْ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ أَهْلُ عِلْمٍ وَحُكَّامٌ ، ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنِ اخْتَلَفَ الْحُكَّامُ اسْتَدْلَلْنَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فِي اخْتِلَافِهِمْ فَصِرْنَا إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَقَلَّ مَا يَخْلُو اخْتِلَافُهُمْ مِنْ دَلَائِلِ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ , وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَفْتُونَ يَعْنِي مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ بِلَا دَلَالَةٍ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ نَظَرْنَا إِلَى الْأَكْثَرِ , فَإِنْ تَكَافَؤُوا نَظَرْنَا إِلَى أَحْسَنِ أَقَاوِيلِهِمْ مَخْرَجًا عِنْدَنَا ، وَإِنْ وَجَدْنَا لِلْمُفْتِينَ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَهُ اجْتِمَاعًا فِي شَيْءٍ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ تَبِعْنَاهُ ، وَكَانَ أَحَدَ طُرُقِ الْأَخْبَارِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ: كِتَابُ اللَّهِ , ثُمَّ سَنَةُ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ الْقَوْلُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ , ثُمَّ اجْتِمَاعُ الْفُقَهَاءِ , فَإِذَا نَزَلَتْ نَازِلَةٌ لَمْ نَجِدْ فِيهَا وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْبَارِ فَلَيْسَ السَّبِيلُ فِي الْكَلَامِ فِي النَّازِلَةِ إِلَّا اجْتِهَادُ الرَّأْيِ""

وقال الشافعي أيضًا: والعلم طبقات: الأولى: الكتاب والسنة، الثانية: الإجماع، فيما ليس كتابًا ولا سنة، الثالثة: أن يقول صحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلاف الصحابة، الخامسة: القياس"هذا كله كلامه في الجديد."

وقال الشافعي في الجديد، في قتل الراهب: إنه القياس عنده، ولكن اتركه لقول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - [1] .

ويوافق الشافعي على قبول قول الصحابة أئمة الإسلام، ففي الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ - بَابُ أَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِذَا تَفَرَّقُوا فِيهَا وَيُسْتَدَلُّ بِهِ (22 ) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ نُعَيْمَ بْنَ حَمَّادٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ وَإِذَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْتَارُ مِنْ قَوْلِهِمْ وَإِذَا جَاءَ عَنِ التَّابِعِينَ زَاحَمْنَاهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ فِي الْقُرْآنِ ، وَالتَّوْرَاةِ ، وَالْإِنْجِيلِ كَأَنَّهُ عَنَى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ الْآيَةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَسَبَقَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُمْ فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ وَهَنَّأَهُمْ مَا آتَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِبُلُوغِ أَعْلَى مَنَازِلِ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ""

ثم قال:"لقد اختص الله الصحابة بخصائص، وميزهم بميزات لم تكن في مَن بعدهم، فقد كانوا أبرَّ الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، وأقربها إلى الصواب."

وقد خصَّهم الله بفصاحة اللسان، وتوقد الأذهان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وقلة المعارض، وحسن القصد، وتقوى الرب سبحانه، فالعربية سليقتهم وطبيعتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، وليسوا بحاجة إلى النظر في الإسناد، وأحوال الرواة، وعلل الحديث، والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول، بل هم مستغنون عن هذا كله، وليس أمامهم إلا كتاب الله وسنة رسوله ومعاني كل منهما.

وهم أسعد الناس بهذا من المتأخرين؛ لأن قواهم متوافرة مجتمعة عليها، إلى جانب ما خُصُّوا به من قوى الأذهان وصفائها وصحتها، وقوة إدراكها وكمالها، وكثرة المعاون، وقلة الصارف، وتلقيهم من مشكاة النبوة.

بخلاف المتأخرين فأقوالهم متفرقة، وهممهم متشعِّبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها بشعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام المصنِّفين والمشايخ -على اختلافهم فيما أرادوا به- قد أخذ منها شعبة، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلَّت وضعفت، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب تلك القوة، وهذا أمر محسوس مشاهد.

ثم قال:"إذا وجد للصحابي قول فلا يخلو أن يخالفه صحابي آخر، أو لا يخالفه: فإن لم يخالفه صحابي آخر، فإما أن يُشْتَهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر: فإن اشْتُهر فالذي عليه جماهير الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع."

وقال شرذمة من المتكلمين والفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعًا ولا حجة. وإن لم يشتهر قول الصحابي، أو لم يعلم هل اشتهر أم لا؟

فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، وهو قول جمهور الحنفية، وصرح به محمد بن الحسن، وذكر عن أبي حنيفة نصًّا، وهو مذهب مالك وأصحابه، وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه، واختيار جمهور أصحابه.

وإن خالفه صحابي آخر، فلا يخلو من أن يكون مثله في العلم، أو يكون أعلم منه: فإن كان مخالفه مماثلا له في العلم لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وإن كان مخالفه أعلم منه، كأن يكون المخالف أحد الخلفاء الراشدين أو جميعهم، فللعلماء في الأخذ بقول الأعلم قولان -وهما روايتان عن الإمام أحمد- وأصح القولين أن القول الذي ذهب إليه الخلفاء الراشدين أو بعضهم أرجح وأولى أن يؤخذ به من قول الصحابي المخالف لهم.

فإن ذهب الخلفاء الأربعة إلى قول فالراجح أن الصواب معهم دون المخالف لهم، وإن ذهب بعض الخلفاء إلى قول وبعضهم إلى قول آخر فالصواب أغلب في قول الأكثر منهم، فإن انقسموا بالتساوي فذهب اثنان من الخلفاء إلى قول واثنان إلى قول آخر، فالأقرب إلى الصواب القول الذي ذهب إليه أبو بكر وعمر.

فإن اختلف أبو بكر وعمر، وذهب كل منهما إلى قول، فالأقرب إلى الصواب قول أبي بكر؛ إذ لا يحفظ للصدِّيق خلاف نص واحد، ولا يحفظ له فتوى ولا حكم مأخذها ضعيف أبدًا، وهذا تحقيق لكون خلافته خلافة نبوة.

ويكفي في ذلك معرفة رجحان قول الصدِّيق في الجد والإخوة، وأن الجد أب يُسْقط الإخوة، ورجحان قوله في كون الطلاق الثلاث بكلمة واحدة لا تقع إلا طلقة واحدة، فإن العالم المتَّصف إذا نظر في أدلة هذه المسائل من الجانبين تبين له أن جانب الصدِّيق أرجح من الجانب الآخر، وكذلك بالنسبة لفتاوى التابعين وأقوالهم". [2] "

مثال آخر ، لقد ادعى الإمام السيوطي الاجتهاد المطلق ، وألف رسالة في هذا الموضوع ، فأنكر عليه ذلك جلُّ علماء عصره ، وردوا عليه ، وهذا مثال من اجتهاداته ،ففي رسالته (حسن المقصد في عمل المولد) قال: وقد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل بن حجر أصلا من السنَّة واستخرجت له أنا أصلا ثانيا وسيأتي ذكرها بعد هذا.

وقد سئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل بن حجر عن عمل المولد فأجاب بما نصه: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرَّى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا، قال وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَن ذَلِكَ فَقَالُوا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِى أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنكُمْ » . فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ. [3]

فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة ،وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم ، وعلى هذا فينبغي أن يتحرَّى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء ،ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر ،بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة، وفيه ما فيه - فهذا ما يتعلق بأصل عمله، وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة ،وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به ،وما كان حراما أو مكروها فيمنع وكذا ما كان خلاف الأولى انتهى [4]

قلت: وهو كلام في غاية الدقة والروعة .

ثم قال السيوطي:"قلت: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ . مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه.." [5]

قلت: وهذا نص الحديث الذي استدل به (حافظ السنة )

ففي السنن الكبرى للبيهقي (ج 9 / ص 300) (19750) قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ فِى عَقِيقَةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - عَن نَفْسِهِ حَدِيثًا مُنْكَرًا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُفْيَانَ الطُّوسِىُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأَبِيوَرْدِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ: أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - عَقَّ عَن نَفْسِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ. {ج} قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: إِنَّمَا تَرَكُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَرَّرٍ لِحَالِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ رُوِىَ مِن وَجْهٍ آخَرَ عَن قَتَادَةَ وَمِن وَجْهٍ آخَرَ عَن أَنَسٍ وَلَيْسَ بِشَىْءٍ.

وهناك طريق آخر أخرجه في المعجم الأوسط للطبراني (1006 ) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: نا الْهَيْثَمُ قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ مَا بُعِثَ نَبِيًّا"

فهذا الطريق ليس فيه ما طعن به على الأول ، فاستدلَّ بالواهي الساقط وترك المقبول [6]

وفات حافظ السنَّة أن هناك حديثا صحيحًا بلا خلاف يمكن أن يحتجَّ به على جواز ذلك ، ففي صحيح مسلم (2804 ) عَن أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَن صَوْمِهِ قَالَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ عُمَرُ رضى الله عنه رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِبَيْعَتِنَا بَيْعَةً. قَالَ فَسُئِلَ عَن صِيَامِ الدَّهْرِ فَقَالَ « لاَ صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ » . أَوْ « مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ » . قَالَ فَسُئِلَ عَن صَوْمِ يَوْمَيْنِ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ قَالَ « وَمَن يُطِيقُ ذَلِكَ » . قَالَ وَسُئِلَ عَن صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمَيْنِ قَالَ « لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ قَوَّانَا لِذَلِكَ » . قَالَ وَسُئِلَ عَن صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ قَالَ « ذَاكَ صَوْمُ أَخِى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ » . قَالَ وَسُئِلَ عَن صَوْمِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ قَالَ « ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَىَّ فِيهِ » . قَالَ فَقَالَ « صَوْمُ ثَلاَثَةٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَوْمُ الدَّهْرِ » . قَالَ وَسُئِلَ عَن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ « يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ » . قَالَ وَسُئِلَ عَن صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ « يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ » .

وكم من حديث ساقط وموضوع احتج به في كتبه !!!

ــــــــــــــــ

(1) - الأم للشافعي (ج 12 / ص 192)

(2) - وانظر لقاءات الباب المفتوح - (ج 74 / ص 11) -حجية قول الصحابي:

(3) - صحيح مسلم (2712)

(4) - الحاوي للفتاوي للسيوطي - (ج 1 / ص 282)

(5) - الحاوي للفتاوي للسيوطي - (ج 1 / ص 282 -283)

(6) - وانظر البدر المنير - (ج 9 / ص 339) والتلخيص الحبير - (ج 4 / ص 362) والسلسلة الصحيحة (2726)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت