فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 164

وإمّا أن العلم المعاصر أثبت ما جاء في الحديث النبوي، لكن لجهلهم بالعلم المعاصر, ولعدم مواكبتهم لاكتشافاته الحديثة، جهلوا أنه قد توصّل إلى ما أنكروه، ونسبوا إليه جهلًا هذا الإنكار!!!

وأقول لهؤلاء: من أوْلى من النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - عملًا بقوله تعالى:"وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" [الإسراء: 36 ] ؟!

ومن أحقّ الناس بُعْدًا عمّا عاب الله به المشركين من النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ؟!

وذلك في قوله تعالى:"وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا" [النجم:28]

وقوله تعالى:"إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ" [الأنعام: 116] ؟!!

ثم يُريد هؤلاء أن يجعلوا النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث الطبّ (وغيرها من أمور الدنيا) لا متكلّمًا بغير وحي فقط, بل متكلّمًا جهلًا بغير علم !!! وحاشاه من ظنّ السوء - - صلى الله عليه وسلم - !!!

واللهِ .. لو جمعتُ ما صحّ من أحاديث الطب (وغيرها من أمور الدنيا) عن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - , وفيها ما فيها من أحكام جازمة، وعباراتٍ ذاتِ دلالاتٍ قطعيّةٍ، ثم نسبتُها إلى غيره من الناس، وأطلعتُ أحد العقلاء عليها، على أنها مقالاتٌ صدرت من أحد الناس على الظن، وأنه أخطأ فيها .. لنسبَ الذي أطْلَعْتُهُ عليها صاحبَ تلك المقالاتِ إلى المجازفات والكذب وقلّة الأمانة أو نقص العقل!!!

أفلا يتنبّهُ هؤلاء طَيِّبُو النوايا، إلى ما في مذهبهم من خبيث الجنايا!!!

إنّي لأحبسهم لو تَنبّهوا إلى اللوازم الفاسدة من مذهبهم هذا، لكانوا أنفر الناس منه وأبعدهم عنه، وهو المظنون بعامّتهم .

وما أحسن قول العالم الفقيه الحنفي الصوفي أبي بكر الكلاباذي (ت380هـ) في كتابة (بحر الفوائد) : « وردُّ الأخبار والمتشابه من القرآن طريقٌ سهلٌ، يستوي فيه العالم والجاهل، والسفيه والعاقل. وإنما يتبيّنُ فضلُ علم العلماء، وعقل العقلاء، بالبحثِ والتفتيش، واستخراج الحكمة من الآية والسنّة، وحَمْل الأخبار على ما يوافق الأصول، وتُصحّحه العقول » [1] .

قلت: وقد قام الإجماع على وجوب طاعة النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - في كل مُحْكمٍ غير منسوخ ووجوب تصديقه في كل ما أخبر به؛ لأن هذا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن مقتضيات شهادة (أن محمدًا رسول الله) .

ولذلك قال ابن حزم في مراتب الإجماع [2] :"واتّفقوا أن كلام رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - إذا صحَّ أنه كلامه بيقين: فواجبٌ اتّباعه.. واتّفقوا أنه لا يحل ترك ما صحّ من الكتاب والسنة".

وقال أبو الحسن ابن القطان الفاسي في الإقناع في مسائل الإجماع [3] :"وأجمعوا على التصديق بما جاء به رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - في كتاب الله تعالى، وما ثبت به النقل من سائر سُننه، ووجوب العمل بمحكمه، والإقرار بنصّ بمتشابهه، وردّ كل ما لم نُحط به علمًا بتفسيره إلى الله تعالى، مع الإيمان بنصّه"..

أما الأفعال التي يفعلها النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى الجبّلة البشرية، فليست وحيًا.

وهذه مما يستدلّ العلماء كلُّهم على إباحة تلك الأفعال التي كان يفعلها النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - على وجه البشرية.

ولكنْ هل كان أحدٌ منهم يقول أو يعتقد: أن هذه الأفعال يُمكن أن تكون محرّمة مع كون النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - كان يفعلها؟!!

إذن فإقرار الله تعالى لتلك الأفعال الجبليّة من النبي - - صلى الله عليه وسلم - يجعل أقل ما يُستفاد منها الإباحة، والإباحة تشريع. كما أن الإقرار الإلهي لنبيّه - - صلى الله عليه وسلم - وَجْهٌ من وجوه الوحي، كما قدّمناه. ولذلك نزلت تشريعاتٌ وقيود في بعض الأمور العاديّة البشرية: في الأكل والشرب واللباس.. وغيرها، ولا تردَّدَ أحدٌ من أهل العلم في الاحتجاج بها.

وبذلك يتّضح أن قولي بأنّ السنَّة كلّها وحي حالًا أو مآلًا، يتناول أيضًا الأفعال التي كان النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - يفعلها على وجه الجبلّة والعادة؛ لأنّها مع الإقرار الإلهي تدل على الإباحة في أقل الأحوال.

وهنا أنبّه إلى وَهَمٍ قد ينقدح في بعض الأذهان، وهو أن القول بوجوب الطاعة المطلقة للنبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ، لا يعني أن كلَّ ما صدر من النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - يقتضي الوجوب، ولا يقول هذا أحد. وإنما المقصود وجوب الامتثال لما دلّت عليه السنة، سواء أكانت قوليّة أو فعليّة أو تقريريّة، فقد تدلُّ على الوجوب أو التحريم، وقد تدلُّ على الاستحباب أو الكراهة، وقد تدلُّ على الإباحة. فالواجب امتثال دلالة السنة مطلقًا، دون استثناء؛ إلا ما لا حاجة إلى استثنائه، لوضوحه.

وقد احتج بعضهم بحديث أَبِى قَتَادَةَ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى سَفَرٍ فَقَالَ « إِنَّكُمْ إِنْ لاَ تُدْرِكُوا الْمَاءَ غَدًا تَعْطَشُوا » . وَانْطَلَقَ سَرَعَانُ النَّاسِ يُرِيدُونَ الْمَاءَ وَلَزِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَمَالَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَاحِلَتُهُ فَنَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَدَعَمْتُهُ فَأَدْعَمَ ثُمَّ مَالَ فَدَعَمْتُهُ فَأَدْعَمَ ثُمَّ مَالَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَنْجَفِلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَدَعَمْتُهُ فَانْتَبَهُ فَقَالَ « مَنِ الرَّجُلُ » . قُلْتُ أَبُو قَتَادَةَ. قَالَ « مُذْ كَمْ كَانَ مَسِيرُكَ » . قُلْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قَالَ « حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَ رَسُولَهُ » . ثُمَّ قَالَ لَوْ عَرَّسْنَا فَمَالَ إِلَى شَجَرَةٍ فَنَزَلَ فَقَالَ « انْظُرْ هَلْ تَرَى أَحَدًا » . قُلْتُ هَذَا رَاكِبٌ هَذَانِ رَاكِبَانِ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةً. فَقَالَ « احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا » . فَنِمْنَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ فَانْتَبَهْنَا فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَارَ وَسِرْنَا هُنَيْهَةً ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ « أَمَعَكُمْ مَاءٌ » . قَالَ قُلْتُ نَعَمْ مَعِى مِيضَأَةٌ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ. قَالَ « ائْتِ بِهَا » . فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ « مَسُّوا مِنْهَا مَسُّوا مِنْهَا » . فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ وَبَقِيَتْ جَرْعَةٌ فَقَالَ « ازْدَهِرْ بِهَا يَا أَبَا قَتَادَةَ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ » . ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ وَصَلَّوُا الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ صَلَّوُا الْفَجْرَ ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَرَّطْنَا فِى صَلاَتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا تَقُولُونَ إِنْ كَانَ أَمْرَ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنُكُمْ وَإِنْ كَانَ أَمْرَ دِينِكُمْ فَإِلَىَّ » . قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَّطْنَا فِى صَلاَتِنَا. فَقَالَ « لاَ تَفْرِيطَ فِى النَّوْمِ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِى الْيَقَظَةِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَصَلُّوهَا وَمِنَ الْغَدِ وَقْتَهَا » . ثُمَّ قَالَ ظُنُّوا بِالْقَوْمِ قَالُوا إِنَّكَ قُلْتَ بِالأَمْسِ إِنْ لاَ تُدْرِكُوا الْمَاءَ غَدًا تَعْطَشُوا فَالنَّاسُ بِالْمَاءِ.... [4]

وهذا الحديث جاء في الاجتهاد من الصحابة في أمر الدين بمحضر النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا كالاجتهاد في مورد النصّ؛ ولذلك قال النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - لهم هذا القول. ومعنى الحديث حينها: أمور الدنيا التي لا نصّ فيها فلكم الاجتهاد فيها، أما ما كان فيه نصّ فلا اجتهاد في مورد النصّ. ولا علاقة لهذا الحديث بتقسيم السنَّة إلى: سنَّة في أمور الدنيا، وسنَّة في أمور الدين؛ لأن من أمور الدنيا ما وردت فيه سنةُ وحي ، وعندها ستكون هذه الأمور الدنيوية التي وردت فيها السنة (بورودها فيه) من أمور الدين؛ لأنها أصبحت تشريعًا وحكمًا إلهيًّا. فالقسمة لا يصح أن تكون بناءً على الدنيا والدين، بمعنى فصل الدِّين عن الحياة، هذا التقسيم باطلٌ من أساسه.

وإنما جاء الحديث ليبيّن للصحابة: متى يحقُّ لهم الاجتهاد بمحضر النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - ومتى لا يحقُّ لهم ذلك. فما كان فيه نصٌ فهو دينٌ بورود النصّ فيه، وما يتعلق بالحلال والحرام فهو دينٌ أيضًا، كالنوم عن الصلاة وترتّب الإثم عليه وعدم ترتبه عليه؛ فهذا لا حاجة للاجتهاد فيه مع وجود المبلِّغ عن الله تعالى وحضوره بين أيديهم، وهو رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - . وما لم يكن فيه نصٌّ من أمور الدنيا والمعاش، فهذا ما يجوز للصحابة أن يجتهدوا فيه، ولو بمحضره - - صلى الله عليه وسلم - . [5]

ــــــــــــــــ

(1) - بحر الفوائد للكلاباذي (356) .

(3) - (رقم 129)

(4) - مسند أحمد (23209) صحيح

(5) - انظر مقال السنة وحي من رب العالمين في أمور الدنيا والدين"للدكتور / الشريف حاتم العوني حفظه الله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت