فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 164

وبما رويً عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أُتِىَ فِى رَجُلٍ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ شَهْرًا أَوْ قَالَ مَرَّاتٍ قَالَ فَإِنِّى أَقُولُ فِيهَا إِنَّ لَهَا صَدَاقًا كَصَدَاقِ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ وَإِنَّ لَهَا الْمِيرَاثَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّى وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ،فَقَامَ نَاسٌ مِن أَشْجَعَ فِيهِمُ الْجَرَّاحُ وَأَبُو سِنَانٍ فَقَالُوا يَا ابْنَ مَسْعُودٍ نَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَاهَا فِينَا فِى بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَإِنَّ زَوْجَهَا هِلاَلُ بْنُ مُرَّةَ الأَشْجَعِىُّ كَمَا قَضَيْتَ،قَالَ فَفَرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَرَحًا شَدِيدًا حِينَ وَافَقَ قَضَاؤُهُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . [1]

وَبِمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى امْرَأَةٍ مُغَيَّبَةٍ كَانَ يُدْخَلُ عَلَيْهِا ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا ، فَقِيلَ لَهَا: أَجِيبِي عُمَرَ ، فَقَالَتْ: يَا وَيْلَهَا مَا لَهَا ، وَلِعُمَرَ قَالَ: فَبَيْنَا هِيَ فِي الطَّرِيقِ فَزِعَتْ فَضَرَبَهَا الطَّلْقُ فَدَخَلَتْ دَارًا ، فَأَلْقَتْ وَلَدَهَا ، فَصَاحَ الصَّبِيُّ صَيْحَتَيْنِ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ ، أَنْ لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ ، إِنَّمَا أَنْتَ وَالٍ وَمُؤَدِّبٌ قَالَ: وَصَمَتَ عَلِيٌّ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ ؟ قَالَ: إِنْ كَانُوا قَالُوا: بِرَأْيِهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ رَأْيُهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا قَالُوا: فِي هَوَاكَ فَلَمْ يَنْصَحُوا لَكَ ، أَرَى أَنَّ دِيَتَهُ عَلَيْكَ فَإِنَّكَ أَنْتَ أَفْزَعْتَهَا ، وَأَلْقَتْ وَلَدَهَا فِي سَبَبِكَ قَالَ: فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَقْسِمَ عَقْلَهُ عَلَى قُرَيْشٍ ، يَعْنِي يَأْخُذُ عَقْلَهُ مِن قُرَيْشٍ لِأَنَّهُ خَطَأٌ. [2] .

فَقَدْ أَطْلَقَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ اسْمَ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ فِي اجْتِهَادِهِمْ .

وَبِمَا رُوِيَ وعَن عَبِيدَةَ السُّلْمَانِيِّ , قَالَ: سَأَلْتُهُ عَن فَرِيضَةٍ فِيهَا جَدٌّ , فَقَالَ:"لَقَدْ حَفِظْتُ مِن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِيهَا مِائَةُ قَضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ"قَالَ: قُلْتُ: عَن عُمَرَ ؟ قَالَ: عَن عُمَرَ . [3] .

وعَن عَبِيدَةَ قَالَ:"حَفِظْتُ عَن عُمَرَ مِائَةَ قَضِيَّةٍ فِي الْجَدِّ"، قَالَ: وَقَالَ:"إِنِّي قَدْ قَضَيْتُ فِي الْجَدِّ قَضَايَا مُخْتَلِفَةً ، كُلُّهَا لَا آلُو فِيهِ عَنِ الْحَقِّ ، وَلَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَى الصَّيْفِ لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ تَقْضِي بِهِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ عَلَى ذَيْلِهَا" [4] .

وَبِمَا رُوِيَ عَن مَسْرُوقٍ قَالَ: كَتَبَ كَاتِبٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ هَذَا مَا أَرَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ وَقَالَ لاَ بَلْ اكْتُبْ هَذَا مَا رَأَى عُمَرُ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِن عُمَرَ. [5] .

وَلَوْ كَانَ رَأْيُهُ وَمَا يُؤَدِّيه إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ حُكْمًا لِلَّهِ تَعَالَى ، لَمَا امْتَنَعَ كَأَنَّ يَكْتُبَ هَذَا مَا أَرَى اللَّهُ عُمَرَ.

وعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، أُتِيَ فِي رَجُلٍ بِهَذَا الْخَبَرِ ، قَالَ: فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ ، شَهْرًا - أَوْ قَالَ: - مَرَّاتٍ ، قَالَ: فَإِنِّي أَقُولُ فِيهَا إِنَّ لَهَا صَدَاقًا كَصَدَاقِ نِسَائِهَا ، لَا وَكْسَ ، وَلَا شَطَطَ ، وَإِنَّ لَهَا الْمِيرَاثَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، فَإِنْ يَكُ صَوَابًا ، فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ ، فَقَامَ نَاسٌ مِن أَشْجَعَ فِيهِمُ الْجَرَّاحُ ، وَأَبُو سِنَانٍ ، فَقَالُوا: يَا ابْنَ مَسْعُودٍ نَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَاهَا فِينَا فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَإِنَّ زَوْجَهَا هِلَالُ بْنُ مُرَّةَ الْأَشْجَعِيُّ كَمَا قَضَيْتَ قَالَ: فَفَرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَرَحًا شَدِيدًا حِينَ وَافَقَ قَضَاؤُهُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - [6] .

وعَن عَلْقَمَةَ ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ:"مَن شَاءَ حَالَفْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" [7] .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:"مَن شَاءَ حَالَفْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى أُنْزِلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" [8] .

وعَن عَلْقَمَةَ، أَوِ الأَسْوَدِ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ: لَوْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِكَ مِن أَمْرِي بِيَدِي لَعَلِمْتَ كَيْفَ أَصْنَعُ، فَقَالَ: فَإِنَّ الَّذِي بِيَدِي مِن أَمْرِكِ بِيَدِكِ، قَالَتْ: فَأَنْتَ طَالِقٌ ثَلاثًا، قَالَ:"أُرَاهَا وَاحِدَةً وَأَنْتَ أَحَقُّ بِالرَّجْعَةِ"، وَسَأَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ، فَلَقِيَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ:"فَعَلَ اللَّهُ بِالرِّجَالِ وَفَعَلَ اللَّهُ بِالرِّجَالِ يَعْمِدُونَ إِلَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ بِأَيْدِيهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ بِأَيْدِي النِّسَاءِ، بِفِيهَا التُّرَابُ، مَاذَا قُلْتَ؟"قَالَ: قُلْتُ:"أُرَاهَا وَاحِدَةً وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا"، قَالَ:"وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ وَلَوْ رَأَيْتَ غَيْرَ ذَلِكَ رَأَيْتُ أَنَّكَ لَمْ تُصِبْ"

وَبِمَا رُوِيَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ:"أَنَّ رَجُلًا مِن أَهْلِ الشَّامِ اسْتَفْتَاهُ فِي لَحْمِ صَيْدٍ أَصَابَهُ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهِ"قَالَ: فَلَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَسْأَلَةِ الرَّجُلِ ، فَقَالَ لَهُ:"مَا أَفْتَيْتَهُ ؟"، قُلْتُ: بِأَكْلِهِ قَالَ:"وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَوْ أَفْتَيْتَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَضَرَبْتُكَ بِالدَّرَّةِ" [9] .

وَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ شُرَيْحًا كَانَ يَقُولُ يُبْدَأُ بِالْمُكَاتَبَةِ قَبْلَ الدَّيْنِ أَوْ يُشْرَكُ بَيْنَهُمَا شَكَّ شُعْبَةُ. فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: أَخْطَأَ شُرَيْحٌ وَإِنْ كَانَ قَاضِيًا [10] .

قَالُوا: فَقَدْ أَجَازَ هَؤُلَاءِ الْخَطَأَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي اجْتِهَادِهِمْ ، وَأَنْتُمْ لَا تُجِيزُونَهُ عَلَيْهِمْ

الْجَوَابُ: إنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ: وَإِنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي وَمِن الشَّيْطَانِ: إنَّمَا هُوَ إشْفَاقٌ ( مِنهُمَا ) أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ سُنَّةٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِخِلَافِ آرَائِهِمَا ، وَقَدْ كَانُوا يَعْرِضُونَ آرَاءَهُمْ عَلَى الصَّحَابَةِ لِيَنْظُرُوا ، هَلْ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ الْحَاضِرِينَ ؟ (فَأَخْبَرَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ ) هُنَاكَ قَوْلٌ مِن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِخِلَافِ رَأْيِهِمَا ، فَاسْتِعْمَالهمَا لِلرَّأْيِ فِي هَذِهِ الْحَالِ خَطَأٌ ، مِنهُمَا وَمِن الشَّيْطَانِ ، لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلرَّأْيِ مَعَ السُّنَّةِ ، فعَن قَبِيصَةَ ، قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ بِالأُمِّ وَابْنِ الاِبْنِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَتْ: إنَّ ابْنَ ابْنِي وَابْنَ ابْنَتِي مَاتَ ، وَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّ لِي حَقًّا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَجِدُ لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ مِن حَقٍّ ، وَمَا سَمِعْت فِيكِ شَيْئًا مِن رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَسَأَسْأَلُ النَّاسَ ، قَالَ: فَشَهِدَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، فَقَالَ: مَن يَشْهَدُ مَعَك ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، فَشَهِدَ فَأَعْطَاهَا السُّدُسَ ، وَجَاءَتِ الْجَدَّةُ الَّتِي تُخَالِفُهَا إلَى عُمَرَ ، فَأَعْطَاهَا السُّدُسَ ، فَقَالَ: إذَا اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا" [11] . فَأَشْفَقَ حِينَ رَأَى فِي الْكَلَالَةِ مَا رَأَى ، أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ سُنَّةٌ بِخِلَافِ رَأْيِهِ."

وَيُبَيِّنُ لَك هَذَا: قَوْلُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لاَ أَعْلَمُ" [12] . فَاسْتَعْظَمَ أَنْ يَقُولَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَعْلَمُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْكَلَالَةِ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي ، لَمْ يَكُنْ قَوْلًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَعْلَمُ ، وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ: أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ هُوَ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَاجْتِهَادُهُ ، مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَصٌّ مِن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ( بِخِلَافِهِ ) ."

وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُمْ أَخْطَئُوا حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى ،وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا حَقِيقَةَ النَّظِيرِ عِنْدِي ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الَّذِي لَمْ يُكَلَّفُوا إصَابَتَهُ ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّمَا يَرْوِيه الْحَسَنُ ، وَالْحَسَنُ لَمْ يُشَاهِدْ ( هَذِهِ ) الْقِصَّةَ .وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: مَا أَدْرِي أَصَبْت أَمْ أَخْطَأْت ؟ هُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لَا أَدْرَى أَصَبْتُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا ؟ وَمَعْنَاهُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَصَابَ الْأَشْبَهَ الَّذِي هُوَ الْمَطْلُوبُ ، أَمْ لَا .

وَأَمَّا امْتِنَاعُ عُمَرَ مِن أَنْ يَكْتُبَ: هَذَا مَا أَرَى اللَّهُ عُمَرَ ، فَإِنَّمَا كَانَ مِن جِهَةِ أَنَّهُ لَفْظٌ ظَاهِرٌ ، يُوهِمُ أَنَّهُ ( قَالَ ) مِن طَرِيقِ النَّصِّ ، إذْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِيه .

كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) [النساء/105-106] } وَمُرَادُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: مَا نَصَّ عَلَيْهِ ، وَأُوحِيَ بِهِ إلَيْهِ .

وَكَذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ: مَن شَاءَ بَاهَلْته ، أَنَّ قَوْله تَعَالَى: { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } نَزَلَ بَعْدَ قَوْله تَعَالَى: { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ، إنَّمَا ( هُوَ ) إخْبَارٌ عَن عِلْمِهِ بِتَارِيخِ نُزُولِ السُّورَتَيْنِ ، وَمَعْنَى الْمُبَاهَلَةِ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ ، وَرَاجِعٌ إلَى عِلْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ فِي فُتْيَاهُ: لَوْ قُلْتُ غَيْرَ هَذَا لَأَوْجَعْتُكَ ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ نَهْيَهُ عَن الْإِقْدَامِ عَلَى الْفُتْيَا وَالتَّسَرُّعِ فِي الْجَوَابِ ، إذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِن الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى مَا يَسْأَلُ عَنهُ ، مِن غَيْرِ رُجُوعٍ مِنهُ إلَى إمَامِهِ ، أَوْ إلَى مُشَاوَرَةِ قَوْمٍ مِن ذَوِي الْفِقْهِ [13] .

ومن الدليل على ما قلناه: قصة اختلاف الصحابة في أسرى بدر ، فإن أبا بكر ومن تابعه أشاروا بأخذ الفداء منهم ، وعمر ومن تابعه أشاروا بقتلهم ، فحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأول ، ونزل القرآن بتفضيل الرأي الثاني مع تقرير الأول

وهذا دليل على تصويب الرأيين ، وأن كلًا من المجتهدين مصيب ، ولو كان الرأي الأول خطأ لما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكيف وقد أخبر الله أنه عين حكمه بقوله: { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (68) سورة الأنفال ، وطيب الفادي بقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (69) سورة الأنفال .

وإنما وقع العتب على اختيار غير الأفضل ، فأكثر ما يقع الترجيح في المذاهب بالنظر إلى الأفضل من حيث قوة الأدلة ، والقرب من الاحتياط والورع ، ونحو ذلك في مفردات المسائل ، لا من حيث مجموع المذاهب .

وأما بالنظر إلى التصويب ، فكلُّ صوابٌ وحقُّ ، لا شبهة فيه ولا مرية . ومن هذا كانت طريقة الصوفية أن لا يلتزم مذهب معين ، بل يؤخذ من كل مذهب بالأشد والأحوط والأورع ، فإذا كان في مذهب الشافعي - مثلًا - الجواز في مسألة ، والتحريم في أخرى ، ومذهب غيره بالعكس ، يأخذون بالتحريم احتياطًا ، وإذا كان مذهبه الوجوب في مسألة ، والاستحباب في أخرى ، ومذهب غيره بالعكس ، يأخذون بالوجوب في المسألتين احتياطًا ، فيقولون بنقض الوضوء بلمس النساء ، ومس الفرج ، وبالقيء ، والدم السائل ، ويقولون بوجوب النية في الوضوء ، ومسح كل الرأس ، ووجوب الوتر ، إلى غير ذلك .

وهذا مثل ما حكي في"الروضة"عن ابن سريج أنه كان يغسل الأذنين مع الوجه ، ويمسحهما مع الرأس ، ويمسحهما منفردين ؛ احتياطًا لكل مذهب [14] .

إذا عرف ما قررناه ، عرف ترجيح القول بأن كل مجتهد مصيب ، وأن حكم الله في كل واقعة تابع لظن المجتهد ، وهو أحد القولين للأئمة الأربعة ، ورجحه القاضي أبو بكر ، وقال في"التقريب": الأظهر من كلام الشافعي ، والأشبه بمذهبه ومذهب أمثاله من العلماء القول بأن كل مجتهد مصيب ، وقال به من أصحابنا: ابن سريج ، والقاضي أبو حامد ، والداركي ، وأكثر العراقيين ، ومن الحنفية: أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وأبو زيد الدبوسي ، ونقله عن علمائهم جميعًا . [15]

فإن قلت: قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ. [16] "يدلُّ على أن في المجتهدين من يصيب ومن يخطئ وأن الحكم يختلف ، ولو كانوا مصيبين ، لم يكن للتقسيم معنى .

قلت: احمل قوله:"فأخطأ"على عدم إدراكه للأفضل والأولى ، كما عتب على الصحابة في اختيار الفداء ؛ لأنه غير الأفضل ، مع أنه حكم صواب .

وقد قال الفقهاء فيمن صلَّى صلاة رباعية إلى أربع جهات ، كل ركعة إلى جهة بالاجتهاد ، أنه لا قضاء عليه ، مع القطع بأن ثلاث ركعات منها إلى غير القبلة .

واختلف اجتهاد عمر رضي الله عنه في الجد ، فعَنِ الْحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: شَهِدْت عُمَرَ أَشْرَكَ الإِخْوَةَ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ مَعَ الإِخْوَةِ مِنَ الأُمِّ فِي الثُّلُثِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: قَدْ قَضَيْت فِي هَذَه عَامَ الأَوَّلِ بِغَيْرِ هَذَا ، قَالَ: وَكَيْفَ قَضَيْت ؟ قَالَ: جَعَلْته لِلإِخْوَةِ لِلأُمِّ وَلَمْ تَجْعَلْ لِلإِخْوَةِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ شَيْئًا ، فَقَالَ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا ، وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي. [17] .

وأخرج أبو داود في المراسيل عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"كَانَ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ ، ثُمَّ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ ، فَيُمْضِي مَا قَضَى بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقَضَاءَ بِمَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ". [18]

وعَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْضِي الْقَضَاءَ ، ثُمَّ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ بِغَيْرِ الَّذِي قَضَى بِهِ ، فَلَا يَرُدُّهُ ، وَيَسْتَأْنِفُ" [19]

ــــــــــــــــ

(1) - سنن أبى داود برقم (2118 ) وهو حديث صحيح

(2) - مصنف عبد الرزاق برقم (18011) والمحلى (ج 10 / ص 623) برقم (2124 ) وهو صحيح مرسل

(3) - مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيِّ (19044) صحيح

(4) - السُّنَنُ الْكُبْرَى لِلْبَيْهقِيِّ (11636 ) صحيح

(5) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 116) برقم ( 20845) وهو صحيح

(6) - سنن أبى داود برقم (2118) وهو صحيح

(7) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 8 / ص 275) برقم (9527 ) وهو صحيح

والآية هي: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (234) سورة البقرة

(8) - سُنَنُ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ (1442) صحيح

(9) - مصنف عبد الرزاق (ج 4 / ص 136) برقم (8343) و المحلى (ج 5 / ص 16) وهو صحيح

(10) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 332) برقم (22214) وهو صحيح

(11) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 11 / ص 320) (31922) صحيح مرسل

(12) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 512) (30727 و30731) ومجمع الزوائد (15302 ) صحيح لغيره

(13) - انظر الفصول في الأصول - (ج 3 / ص 152) فما بعدها

(14) - روضة الطالبين وعمدة المفتين - (ج 1 / ص 19)

(15) - انظر الأحكام للآمدي - (ج 3 / ص 163) والمحصول - (ج 4 / ص 130) وكشف الأسرار - (ج 5 / ص 458) والبحر المحيط - (ج 8 / ص 155) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 2 / ص 3) والفصول في الأصول - (ج 3 / ص 167) وجزيل المواهب في اختلاف المذاهب - (ج 1 / ص 6)

(16) - المنتقى من السنن المسندة لابن الجارود (996) صحيح

(17) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 11 / ص 255) (31744) صحيح ، وانظر جزيل المواهب في اختلاف المذاهب - (ج 1 / ص 4) فما بعدها

(18) - مراسيل أبي داود (368 ) صحيح مرسل

(19) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 180) (29716) صحيح مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت