فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 164

وَأَحْمَد يُفَرِّقُ فِي هَذَا الْبَابِ فَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا مُعَارِضَ لَهُ كَانَ مَن أَخَذَ بِحَدِيثِ ضَعِيفٍ أَوْ قَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مُخْطِئًا ،وَإِذَا كَانَ فِيهَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ نَظَرَ فِي الرَّاجِحِ فَأَخَذَ بِهِ ؛ وَلَا يَقُولُ لِمَن أَخَذَ بِالْآخَرِ إنَّهُ مُخْطِئٌ،وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ اجْتَهَدَ فِيهَا بِرَأْيِهِ قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَصَبْت الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأْته ؟ فَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَصٌّ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ ،وَإِذَا عَمِلَ الرَّجُلُ بِنَصِّ وَفِيهَا نَصٌّ آخَرُ خَفِيَ عَلَيْهِ لَمْ يُسَمِّهِ مُخْطِئًا ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ؛ لَكِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي تَعْيِينِ الْخَطَأِ ،فَإِنَّ مِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: لَا أَقْطَعُ بِخَطَأِ مُنَازِعِي فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ . وَمِنهُمْ مَن يَقُولُ: أَقْطَعُ بِخَطَئِهِ . وَأَحْمَد فَصَّلَ وَهُوَ الصَّوَابُ . وَهُوَ إذَا قَطَعَ بِخَطَئِهِ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ لَمْ يَقْطَعْ بِإِثْمِهِ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَن عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ . وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهَا نَصٌّ خَفِيَ عَلَى بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ عِلْمُهُ وَلَوْ عَلِمَ بِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ ؛ لَكِنَّهُ لَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ اتَّبَعَ النَّصَّ الْآخَرَ وَهُوَ مَنسُوخٌ أَوْ مَخْصُوصٌ: فَقَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ كَاَلَّذِينَ صَلَّوْا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَعْدَ أَنْ نُسِخَتْ وَقَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِالنَّسْخِ وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِينَ إلَّا بَعْدَ تَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِهِ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ ، وَقِيلَ: يَثْبُتُ مَعْنَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ لَا بِمَعْنَى الْإِثْمِ، وَقِيلَ يَثْبُتُ فِي الْخِطَابِ الْمُبْتَدَأِ دُونَ النَّاسِخِ ،وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُجْتَهِدُ مِن النُّصُوصِ النَّاسِخَةِ أَوْ الْمَخْصُوصَةِ فَلَمْ تُمْكِنْهُ مَعْرِفَتُهُ فَحُكْمُهُ سَاقِطٌ عَنهُ وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ فِي عَمَلِهِ بِالنَّصِّ الْمَنسُوخِ وَالْعَامِّ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ . وَهُنَا تَنَازَعَ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: قِيلَ: عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْحُكْمِ الْبَاطِنِ ؛ وَأَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ كَانَ مُخْطِئًا عِنْدَ اللَّهِ وَفِي الْحُكْمِ تَارِكٌ لِمَا أُمِرَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ ،وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَإِنَّ مَن تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ آثِمٌ ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ تَارِكًا لِمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ غَيْرُ آثِمٍ، وَقِيلَ: بَلْ لَمْ يُؤْمَرْ قَطُّ بِالْحُكْمِ الْبَاطِنِ وَلَا هُوَ حُكْمٌ فِي حَقِّهِ وَلَا أَخْطَأَ حُكْمَ اللَّهِ وَلَا لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ حُكْمٌ فِي حَقِّهِ غَيْرَ مَا حَكَمَ بِهِ ؛ وَلَا يُقَالُ لَهُ: أَخْطَأَ ؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ عِنْدَهُمْ مُلَازِمٌ لِلْإِثْمِ وَهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ، وَلَكَانَ حُكْمًا فِي حَقِّهِ فَكَانَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا وَقَدْ خَالَفُوا فِي مَنعِ اللَّفْظِ فِي الْكِتَابِ والسُّنَّة وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ فِي الْبَاطِنِ حُكْمٌ خَطَأٌ ؛ بَلْ حُكْمُ اللَّهِ فِي الْبَاطِنِ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ النَّاسِخُ وَالْخَاصُّ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِهِ فَسَقَطَ عَنهُ لِعَجْزِهِ . وَقِيلَ: كَانَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ هُوَ الْأَمْرُ الْبَاطِنُ وَلَكِنْ لَمَّا اجْتَهَدَ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هَذَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ انْتَقَلَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ ؛ فَصَارَ مَأْمُورًا بِهَذَا .وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ ؛ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إصَابَتُهُ فِي الْبَاطِنِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ ؛ فَإِنْ تَرَكَ الِاجْتِهَادَ أَثِمَ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ وَلَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يَعْلَمَ الْبَاطِنَ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ مَعَ الْعَجْزِ وَلَكِنْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ وَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنهُ . وَمَن قَالَ: إنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِي الْبَاطِنِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَقَدْ صَدَقَ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْحَقَّ فِي الْبَاطِنِ فَلَهُ أَجْرَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} (79) سورة الأنبياء، وَلَا نَقُولُ: إنَّ حُكْمَ اللَّهِ انْتَقَلَ فِي حَقِّهِ فَكَانَ مَأْمُورًا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ بِالْحَقِّ لِلْبَاطِنِ ثُمَّ صَارَ مَأْمُورًا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ لِمَا ظَنَّهُ ،بَلْ مَا زَالَ مَأْمُورًا بِأَنْ يَجْتَهِدَ وَيَتَّقِيَ اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ وَهُوَ إنَّمَا أُمِرَ بِالْحَقِّ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ . فَإِذَا عَجَزَ عَنهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالِاجْتِهَادِ، فَإِذَا كَانَ اجْتِهَادُهُ اقْتَضَى قَوْلًا آخَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ ؛ لَا لِأَنَّهُ أُمِرَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ بَلْ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَقْتَضِيهِ اجْتِهَادُهُ وَبِمَا يُمْكِنُهُ مَعْرِفَتُهُ، وَهُوَ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مِن جِهَةِ أَنَّهُ مَقْدُورُهُ لَا مِن جِهَةِ عَيْنِهِ كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ إذَا صَلَّوْا إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ فَالْمُصِيبُ لِلْقِبْلَةِ وَاحِدٌ وَالْجَمِيعُ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ لَا إثْمَ عَلَيْهِمْ ،وَتَعْيِينُ الْقِبْلَةِ سَقَطَ عَن الْعَاجِزِينَ عَن مَعْرِفَتِهَا وَصَارَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ مِن الِاجْتِهَادِ وَهُوَ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ الْكَعْبَةُ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِعَيْنِ الصَّوَابِ لَكِنْ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَأْمُورٌ بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ الصَّوَابُ وَأَنَّهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَإِذَا رَآهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِن جِهَةِ الشَّارِعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - بَلْ مِن جِهَةِ قُدْرَتِهِ ، لَكِنْ إذَا كَانَ مُتَّبِعًا لِنَصِّ وَلَمْ يَبْلُغْهُ نَاسِخُهُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِ إلَى أَنْ يَعْلَمَ النَّاسِخَ ، فَإِنَّ الْمَنسُوخَ كَانَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ النَّاسِخِ لَهُ . وَأَمَّا اللَّفْظُ الْعَامُّ إذَا كَانَ مَخْصُوصًا فَقَدْ يُقَالُ: صُورَةُ التَّخْصِيصِ لَمْ يُرِدْهَا الشَّارِعُ لَكِنْ هُوَ اعْتَقَدَ أَنَّهُ أَرَادَهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْلَمْ التَّخْصِيصَ . وَهَكَذَا يُقَالُ فِيمَا نُسِخَ مِن النُّصُوصِ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ كَالنُّصُوصِ الَّتِي نُسِخَتْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَعْلَمْ بَعْضُ النَّاسِ بِنَسْخِهَا ؛ وَقَدْ بَلَغَهُ الْمَنسُوخُ بِهَا لَا يُقَالُ: إنَّ الْمَنسُوخَ ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا كَمَا قِيلَ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ الَّذِينَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ اسْتِقْبَالُهَا بَاطِنًا وَظَاهِرًا قَبْلَ النَّسْخِ وَلَكِنْ يُقَالُ: مَن لَمْ يَبْلُغْهُ النَّصُّ النَّاسِخُ وَبَلَغَهُ النَّصُّ الْآخَرُ فَعَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَعَلَى هَذَا فَتَخْتَلِفُ الْأَحْكَامُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِينَ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ ؛ فَمَن كَانَ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ مِن مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ كَالنَّاسِخِ وَالْمُخَصِّصِ ؛ فَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ مِن جِهَةِ الْعَمَلِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِن الْأَدِلَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ دَلِيلٌ مُعَارِضٌ رَاجِحٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن مَعْرِفَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ

وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ إذَا احْتَمَلَتْ مَعْنَيَيْنِ وَكَانَ ظُهُورُ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مَعْلُومٍ لِبَعْضِ النَّاسِ بَلْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا مَا لَا يَظْهَرُ لِلْآخَرِ ؛ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِمَا دَلَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّهُ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ ؛ وَكُلٌّ مِنهُمَا فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَكِنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاحِدٌ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ . وَإِذَا قِيلَ فَمَا فَعَلَهُ ذَاكَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ أَيْضًا قِيلَ: لَمْ يَأْمُرْ بِهِ عَيْنِيًّا بَلْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ ؛ وَيَعْمَلَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ إلَّا هَذَا ؛ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مِن جِهَةِ جِنْسِ الْمَقْدُورِ وَالْمَعْلُومُ وَالظَّاهِرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِ ؛ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ مِن جِهَةِ عَيْنِهِ نَفْسِهِ فَمَن قَالَ: لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَقَدْ أَصَابَ . وَمَن قَالَ: هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مِن جِهَةِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَدَرَ عَلَيْهِ وَعَلِمَهُ وَظَهَرَ لَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ فَقَدْ أَصَابَ ،كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَدْ غَلِطَا فِي الشَّهَادَةِ فَهُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ مَا شَهِدَا بِهِ مُطْلَقًا لَمْ يُؤْمَرْ بِغَيْرِ مَا شَهِدَا بِهِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ . وَلِهَذَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا » [1] . فَهُوَ إذَا ظَهَرَتْ لَهُ حُجَّةُ أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَذْكُرْ الْآخَرُ حُجَّتَهُ فَقَدْ عَمِلَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا ،وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ فِي حَقِّهِ مِن جِهَةِ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ لَا مِن جِهَةِ كَوْنِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْبَاطِلِ وَالظُّلْمِ وَالْخَطَأِ وَلَكِنْ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْأَحْكَامَ النَّبَوِيَّةَ وَالْخَبَرِيَّةَ .

وَالْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ لَهُ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ الْحَقُّ وَطَلَبَهُ بِحَسَبِ وُسْعِهِ وَهُوَ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِدَلِيلِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ بِمَا عَلَيْهِ وَيَكُونُ قَدْ سَقَطَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِبْرَاءِ أَوْ قَضَاءٍ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ حُجَّةٌ وَحُكْمُهُ بِالْبَرَاءَةِ مَعَ الْيَمِينِ وَيَكُونُ قَدْ اشْتَغَلَتْ الذِّمَّةُ بِاقْتِرَاضِ أَوْ ابْتِيَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ حُجَّةٌ وَحُكِمَ لِرَبِّ الْيَدِ مَعَ الْيَمِينِ وَيَكُونُ قَدْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنهُ أَوْ يَدُهُ يَدُ غَاصِبٍ ؛ لَكِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ حُجَّةٌ .

وَكَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الْعَامَّةُ ؛ يَحْكُمُ الْمُجْتَهِدُ بِعُمُومِهِ وَمَا يَخُصُّهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُ ؛ أَوْ بِنَصِّ وَقَدْ نُسِخَ وَلَمْ يَبْلُغْهُ ؛ أَوْ يَقُولُ بِقِيَاسِ ظَهَرَ وَفِيهِ التَّسْوِيَةُ ؛ وَتَكُونُ تِلْكَ الصُّورَةُ امْتَازَتْ بِفَرْقِ مُؤَثِّرٍ ؛ وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ ؛ فَإِنَّ تَأْثِيرَ الْفَرْقِ قَدْ يَكُونُ بِنَصِّ لَمْ يَبْلُغْهُ وَقَدْ يَكُونُ وَصْفًا خَفِيًّا . فَفِي الْجُمْلَةِ الْأَجْرُ هُوَ عَلَى اتِّبَاعِهِ الْحَقَّ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ ؛ وَ لَوْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ حَقٌّ يُنَاقِضُهُ هُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ لَوْ قَدَرَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ ؛ لَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهَذَا كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي جِهَاتِ الْكَعْبَةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَن عَبَدَ عِبَادَةً نُهِيَ عَنهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْيِ - لَكِنْ هِيَ مِن جِنْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ - مِثْلَ مَن صَلَّى فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَبَلَغَهُ الْأَمْرُ الْعَامُّ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ أَوْ تَمَسَّكَ بِدَلِيلِ خَاصٍّ مَرْجُوحٍ مِثْلَ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ مِن السَّلَفِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّاهُمَا، وَمِثْلَ صَلَاةٍ رُوِيَتْ فِيهَا أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ أَوْ مَوْضُوعَةٌ كَأَلْفِيَّةِ نِصْفِ شَعْبَانَ وَأَوَّلِ رَجَبَ وَصَلَاةِ التَّسْبِيحِ كَمَا جَوَّزَهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ « يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّاهُ أَلاَ أُعْطِيكَ أَلاَ أَمْنَحُكَ أَلاَ أَحْبُوكَ أَلاَ أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ سِرَّهُ وَعَلاَنِيَتَهُ عَشْرَ خِصَالٍ أَنْ تُصَلِّىَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِى أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَهْوِى سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِى كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِى عُمُرِكَ مَرَّةً » [2]

فَإِنَّهَا إذَا دَخَلَتْ فِي عُمُومِ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ مَا يُوجِبُ النَّهْيَ أُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ ،وَإِنْ كَانَ فِيهَا نَهْيٌ مِن وَجْهٍ لَمْ يَعْلَمْ بِكَوْنِهَا بِدْعَةً تُتَّخَذُ شِعَارًا وَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا كُلَّ عَامٍ، فَهُوَ مِثْلَ أَنْ يُحْدِثَ صَلَاةً سَادِسَةً ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ بِلَا حَدِيثٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لَكِنْ لَمَّا رُوِيَ الْحَدِيثُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَغَلِطَ فِي ذَلِكَ فَهَذَا يُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُهُ وَيُثَابُ عَلَى جِنْسِ الْمَشْرُوعِ . وَكَذَلِكَ مَن صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْيِ، فعَن أَبِى عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - فَقَالَ هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَن صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِن صِيَامِكُمْ ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِن نُسُكِكُمْ . [3] بِخِلَافِ مَا لَمْ يُشْرَعْ جِنْسُهُ مِثْلَ الشِّرْكِ فَإِنَّ هَذَا لَا ثَوَابَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ لَا يُعَاقِبُ صَاحِبَهُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الرِّسَالَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {..وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (15) سورة الإسراء، لَكِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعَذِّبُ فَإِنَّ هَذَا لَا يُثَابُ بَلْ هَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} (23) سورة الفرقان.

قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: هِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي عُمِلَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي لَمْ تُقْبَلْ .

وَقَالَ تَعَالَى: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ} (18) سورة إبراهيم ،فَهَؤُلَاءِ أَعْمَالُهُمْ بَاطِلَةٌ لَا ثَوَابَ فِيهَا . وَإِذَا نَهَاهُمْ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - عَنهَا فَلَمْ يَنْتَهُوا عُوقِبُوا، فَالْعِقَابُ عَلَيْهَا مَشْرُوطٌ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَأَمَّا بُطْلَانُهَا فِي نَفْسِهَا فَلِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا، فَكُلُّ عِبَادَةٍ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يُنْهَى عَنهَا .

ثُمَّ إنْ عَلِمَ أَنَّهَا مَنهِيٌّ عَنهَا وَفَعَلَهَا اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مَأْمُورٌ بِهَا وَكَانَتْ مِن جِنْسِ الْمَشْرُوعِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مِن جِنْسِ الشِّرْكِ فَهَذَا الْجِنْسُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مَأْمُورٌ بِهِ لَكِنْ قَدْ يَحْسَبُ بَعْضُ النَّاسِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ .

وَهَذَا لَا يَكُونُ مُجْتَهِدًا ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّبِعَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَهَذِهِ لَا يَكُونُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لَكِنْ قَدْ يَفْعَلُهَا بِاجْتِهَادِ مِثْلِهِ: وَهُوَ تَقْلِيدُهُ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ مِن الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ وَاَلَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوهُ لِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَنْفَعُ ؛ أَوْ لِحَدِيثِ كَذِبٍ سَمِعُوهُ . فَهَؤُلَاءِ إذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ بِالنَّهْيِ لَا يُعَذَّبُونَ ،وَأَمَّا الثَّوَابُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثَوَابُهُمْ أَنَّهُمْ أَرْجَحُ مِن أَهْلِ جِنْسِهِمْ ،وَأَمَّا الثَّوَابُ بِالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ فَلَا يَكُونُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ [4] .

ــــــــــــــــ

(1) - صحيح البخارى برقم (2680 ) وصحيح مسلم برقم (4570)

(2) - ففي سنن أبى داود برقم (1299 ) وحم 1/209 و 6/339 و هق 3/52 و خزيمة (1216) و ش 12/216 و سنة 4/156 و د (1297) و ك 1/318 وصحيح الجامع (7937) فالحديث صحيح .

(3) - صحيح البخارى برقم (1990 )

(4) - مجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 19) فما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت