ومن كان له حق من عقار وغيره لا يستطيع أخذه ولا الوصول إليه إلا بدفع الرشوة فلا بأس بذلك للراشي دون المرتشي فقد رخص فيه جماعة من السلف قال ابن الأثير رحمه الله في كتابه النهاية (2/ 226) فأمّا ما يُعطى توصلًا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه ... وروى عن جماعة من أئمة التابعين قالوا: (لابأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم) .
وقال الخطابي رحمه الله في المعالم (5/ 207) (إذا أَعطى ليتوصل به إلى حقه أو يدفع عن نفسه ظلمًا فإنه غير داخل في هذا الوعيد .. )
وهذا الأمر مما عمت به البلوى في بعض البلاد فلا يقدرون على أخذ حقوقهم وقضاء حوائجهم إلا بشيء من الرشوة ويعتبر ذلك من باب الضرورة فيجوز للدافع ويحرم على الآخذ.
يدل على ذلك حديث أبي سعيد رواه أحمد في مسنده (3/ 4) من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال قال عمر (يا رسول الله لقد سمعت فلانًا وفلانًا يحسنان الثناء يذكران أنك أعطيتهما دينارين قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكن والله فلانًا ما هو كذلك لقد أعطيته من عشرة إلى مائة فما يقول ذاك أما والله إن أحدكم ليخرج مسألته من عندي يتأبطها يعني تكون تحت إبطه يعني نارًا قال فقال عمر يا رسول الله لِمَ تعطيها إياهم قال فما أصنع يأبون إلا ذاك ويأبى الله لي البخل) وصححه ابن حبان والحاكم والحديث في صحيح مسلم
(1056) بغير هذا اللفظ رواه من طريق جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن سلمان بن ربيعة قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمًا فقلت والله يارسول الله لغيرُ هؤلاء كان أحقَّ به منهم قال (إنهم خيّروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني فلستُ بباخل) وهذا أصح.