فمن تزبَّع ونصب نفسه حكمًا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجه المطاعن إلى أحد منهم وسلبهم العدالة وجعلهم كسائر الناس لهم ما لهم وعليهم ما عليهم أو ادعى أن العدالة لا تثبت إلا للمهاجرين والأنصار ومن عداهم يتطرق إليه الطعن والنقد ولا تثبت عدالته إلا بما تثبت به عدالة من جاء بعدهم من التابعين. فهذا قد تعرض لأمر عظيم. وفتحَ الباب للزنادقةِ و الملاحدةِ من الرافضة وغيرهم في الطعن في حقائق الشريعة ومسلَّماتها أو التشكيك في معالمها وسننها.
وقد ذكر غيرُ واحد من أهل العلم الإجماع على عدالة الصحابة من حيث الجملة والتعيين وليس هذا بلازم لعصمة الواحد منهم أو استحالة حدوث المعصية منه كما تدَّعيه الرافضة في أهل البيت.
فالذنب يصدر من الواحد منهم عن تأويل سائغ واجتهاد وغير ذلك وليس بقادح في عدالته فقد رضي الله عنهم وأثنى عليهم مع علمه بما سيقع منهم وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وجود الفتنة ووقوع القتال بين أصحابه ولم يكن هذا مانعًا من عدالتهم فإن هذه الأمور والوقائع الحادثة بينهم كانت عن اجتهاد وتأويل فللمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر واحد وخطؤه مغفورله لأنه متأوّل فيما فعل مجتهد فيما أقدم عليه وهذا مما لا نزاع فيه وأدلته كثيرة.
وقد خالفت في ذلك الخوارج والمعتزلة وأشباههم وألحقوا بأهل الاجتهاد والأعذار أدلة الوعيد على التعيين، وهذا القول فاسد وليس له وجه. فأدلة الوعيد لا تلحق أحدًا من أهل العلم المجتهدين ولا سيَّما الصحابة رضي الله عنهم فليس فيهم من يُعتقد فيه أو يظن أنه يتعمد مخالفة الأدلة.
فظهر بهذا القطعُ بعدالةِ الصحابة كلهم وإحسان الظن في جميعهم.