ففي الصحيحين، واللفظ للبخاري (9/ 62 - الفتح) عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة [1] جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما(قل هو الله أحد) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات) ففي الحديث دلالة - وإن لم تكن قوية - على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن بعض الأحيان وهو جنب. وأن الجنابة لا تمنعه من قراءة القرآن، لما أفادته عائشة رضي الله عنها في قولها"كل ليلة". وقد أخبرت فيما تقدم من الأخبار الصحاح أنه كان يرقد وهو جنب إذا توضأ. فإذا ضمت دلالة هذا الحديث مع الأحاديث المتقدمة، مع استصحاب البراءة الأصلية، وأنه لا يمنع من قراءة القرآن في سائر الأحوال مانع إلا ما قام الخبر الصحيح على منعه - وهو متعذر هنا- أفاد ذلك قوة القول بقراءة الجنب للقرآن، وأن أهل هذا القول أسعد بالدليل من المانعين والله أعلم.
القول الثالث في المسألة قول من قول يجوز قراءة الآية والآيتين ونحوهما.
وأصحاب هذا القول يوافقون أصحاب القول الأول في المنع من استدامة القراءة للجنب، وأدلتهم هي أدلة أصحاب القول الأول في الجملة.
وقد وقع بين أصحاب هذا القول خلاف فيما يجوز قراءته، فبعضهم لم يرخص إلا بعض آية كما هو قول لأحمد [2] .
(1) وقد رد الحافظ رحمه الله في الفتح: 10/ 210، على من زعم أن المحفوظ في هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذا اشتكى، ويبين أنه لا منافاة بين الروايتين. ولذلك قال يونس: كنت أرى ابن شهاب - وهو أحد رواة السند - يصنع ذلك إذا أتى إلى فراشه، وانظر: الفتح: 9/ 62، و 10/ 209.
(2) المبدع: 1/ 188.