إن من المصالح الكبرى التي عنيت بها الشريعة الإسلامية، وكانت أحد مقاصدها العظمى، تقديم المصالح، والعناية بذوي الحاجة والفقر من المسلمين، وإن من المصالح المحققة في هذا الباب جواز نقل الأضحية من بلد المضحي إلى بلد آخر، لاسيما وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يمنع ذلك ويدفعه، والأصل في ذلك الجواز، فإذا كانت الزكاة وهي واجبة بالإجماع يجوز نقلها من بلد إلى بلد للمصلحة والحاجة، فكيف بالأضحية المستحبة 0
وقد منع من ذلك بعضهم مستدلًا بفوات إظهار الشعيرة، وقد قال تعالى (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) 0
وفي الاستدلال بهذه الآية نظر من وجهين:
الوجه الأول: أن يتفق الناس كلهم على ذبح ضحاياهم خارج بلادهم، فيبقى إظهار الشعيرة من هذا الوجه موجودًا 0
الوجه الثاني: على فرض أن الناس جميعًا يذبحون ضحاياهم خارج البلد، فإن أصل إظهار الشعيرة باق غير منتف، فهو يظهر ويقوى ظهوره في بلد آخر، وإن ضعف ظهوره في البلد الأصل للحاجة والمصلحة 0
والقصد من الأضاحي هو إظهار الشعيرة، في كل بلد، ونفع الفقراء (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) وقد جاء في الصحيحين من طريق أبي عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته شيء) فلما كان العام المقبل، قالوا يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام الماضي؟ قال: (كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها) 0