أمر صعب لا يتأتى إلا بمعونة وإمداد من جانب قدسه، كيف لا، وهي صرف الوجوه عن سمت الخلق إلى الخلاق، وإدخال قلادة غير معهودة في الأعناق.
{و} حالة كونك {سِرَاجًا} ؛ أي: مصباحًا {مُنِيرًا} ؛ أي: مضيئًا في الظلام؛ أي: يستضاء به في ظلم الضلالة، كما يستضاء بالمصباح في الظلمة. ففي الكلام تشبيه بليغ، وقال الزجاج: {وَسِرَاجًا} ؛ أي: ذا سراج منير؛ أي: كتاب نير، وفي"الخازن": سماه [1] سراجًا منيرًا؛ لأنه جلا به ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير. وقيل: معناه: أمد الله بنور نبوته نور البصائر، كما يمد بنور السراج نور الأبصار، ووصفه بالإنارة؛ لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه، ودقَّتْ فتيلته.
فإن قلت: لم سماه سراجًا، ولم يسمه شمسًا، والشمس أشد إضاءة من السراج وأنور؟.
قلتُ: نور الشمس لا يمكن أن يؤخذ منه شيء، بخلاف نور السراج، فإنه يؤخذ منه أنوار كثيرة.
وعبارة"فتح الرحمن"هنا: فإن قلت [2] : كيف شبه الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالسراج، دون الشمس، مع أنها أتم؟.
قلتُ: المراد بالسراج هنا: الشمس، كما قال تعالى: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} ، أو شبهه بالسراج؛ لأنه تفرع منه بهدايته جميع العلماء، كما يتفرع من السراج سرج لا تحصى، بخلاف الشمس.
واعلم: أن الله سبحانه وتعالى شبَّه نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالسراج لوجوه [3] :
منها: أنه يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، ويهتدى بأنواره إلى مناهج الرشد والهداية، كما يهتدى بالسراج المنير في الظلام إلى سمت المرام.
ومنها: أن السراج الواحد يوقد منه ألف سراج، ولا ينقص من نوره شيء.
(1) الخازن.
(2) فتح الرحمن.
(3) روح البيان.