فهرس الكتاب

الصفحة 13507 من 15280

قوله: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ} بدل بعض لأن إلقاء المحبة يكون سرًا وجهرًا.

وقوله تعالى: {وَأَنَا أَعْلَمُ} حال من فاعل {تُسِرُّونَ} ؛ أي: تسرون إليهم بالمودة والنصيحة، والحال أني أعلم منكم {بِمَا أَخْفَيْتُمْ} ؛ أي: بما أضمرتم في صدوركم من مودة الأعداء {وَمَا أَعْلَنْتُمْ} ؛ أي: وما أظهرتم بألسنتكم من الاعتذار وغير ذلك. فإذا علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي .. فأي فائدة في الإسرار والاعتذار. والباء في {بِمَا} زائدة، يقال: علمت كذا، وعلمت بكذا. وهذا على أن {أَعْلَمُ} مضارع. وقيل: هو أفعل تفضيل. أي: أعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون.

ثم توعد من يفعل ذلك، وشدد النكير عليه، وذكر ما فيه أعظم الزجر، فقال: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ} ؛ أي: يفعل الاتخاذ المنهي عنه. أي: ومن يفعل {مِنْكُمْ} أيها المؤمنون ما نهيت عنه من موالاتهم. والأقرب عَوْدُ الضمير إلى الإسرار. أي: ومن يفعل إسرار النصيحة للكفار {فَقَدْ ضَلَّ} وأخطأ {سَوَاءَ السَّبِيلِ} ؛ أي: طريق الحق والصواب الموصل إلى الفوز بالسعادة الأبدية. وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. و {ضَلَّ} متعد، و {سَوَاءَ السَّبِيلِ} مفعوله. ويجوز أن يجعل قاصرًا وينتصب {سَوَاءَ السَّبِيلِ} على الظرفية.

قال القرطبي [1] : هذا كله معاتبة لحاطب وهو يدل على فضله ونصيحته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدق إيمانه، فإن المعاتبة لا تكون إلا من حبيب لحبيب كما قيل من الوافر:

إِذَا ذَهَبَ الْعِتَابُ فَلَيْسَ وُدٌّ ... وَيَبْقَى الْوُدُّ مَا بَقِيَ الْعِتَابُ

والعتاب: إظهار الغضب على أحد لشيء مع بقاء المحبة بالترك. وقال بعضهم: العتاب: لوم الحبيب حبيبه على أمر غير لائق به، كما في الدمنهوري في العروض.

وفي الآية [2] إشارة إلى عداوة النفس والهوى والشيطان، فإنها تبغض عبادة الله، وتبغض عباد الله أيضًا إذا لم يكونوا مطيعين لها في إنفاذ شهواتها وتحصيل

(1) قرطبي.

(2) روح البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت