عليه غضبان"، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الآية، فجاء الأشعث فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن، فيَّ أنزلت هذه الآية؟ كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، فقال لي: شهودك؟ قلت: ما لي شهود، قال: فيمينه، قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف، فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث، فأنزل الله ذلك تصديقًا له."
وأخرج البخاري أيضًا من حديث عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلًا أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ...} الآية.
قال الحافظ ابن حجر في"شرح البخاري"، ولا منافاة بين الحديثين، بل يحمل على أنَّ النزول كان بالسببين معًا، ولفظ الآية أعم.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة [1] : أنَّ الآية نزلت في حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة، وبدّلوه، وحلفوا أنَّه من عند الله، قال الحافظ ابن حجر: الآية محتملة، لكن العمدة في ذلك ما ثبت في"الصحيح".
قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ ...} الآية، أخرج [2] ابن إسحاق والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال أبو رافع القرظي - حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودعاهم إلى الإِسلام: أتريد يا محمَّد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ قال - صلى الله عليه وسلم:"معاذ الله". فأنزل الله في ذلك: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} إلى قوله: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
وأخرج عبد الرزاق في"تفسيره"عن الحسن قال: بلغني أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال:"لا، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله؛ فإنَّه لا ينبغي أنْ يُسجَد لأحد من دون الله"، فأنزل الله: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} إلى قوله: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
(1) لباب النقول.
(2) لباب النقول.