أي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وصدَّقوا بما جاء به محمَّد - صلى الله عليه وسلم - لا تأكلوا أموالكم المتداولة بينكم بالوجه الباطل الممنوع في الشرع؛ أي: بالطريق الذي يخالف الشرع، كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا وشهادة الزور والحلف الكاذب وجحد الحق، ونحو ذلك كالرُشا، والاستثناء في قوله: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} منقطع؛ لأن التجارة عن تراضٍ ليست من جنس أكل المال بالباطل، فتكون {إِلَّا} هنا بمعنى: لكن، والمعنى: لكن أكلها بتجارة صادرة عن تراض منكم، وطيب نفس من المتعاقدين جائز لكم.
وخص التجارة [1] بالذكر دون غيرها كالهبة والصدقة والوصية؛ لأن غالب التصرف في الأموال بها ولأن أسباب الرزق متعلق بها غالبًا، ولأنها أرفق بذوي المروءات، بخلاف الإيهاب وطلب الصدقات، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: {تِجَارَةً} بالنصب على أن {تَكُونَ} ناقصة، واسما ضمير مستتر يعود على [2] الأموال، تقديره: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة عن تراض منكم، فيجوز أكلها، أو يعود على {تجارة} والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة عن تراض منكم.
وقرأ الباقون بالرفع على أن تكون تامة، والمعنى: إلا أن توجد تجارة صادرة عن تراض منكم، فيجوز أكل الأموال المكتسبة بها.
واختلف العلماء في التراضي [3] ، فقالت طائفة: تمامه، أي: تمام البيع وجوبه بافتراق الأبدان بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه اختر، كما في الحديث الصحيح:"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر"أخرجه الشيخان عن ابن عمر، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم. وقال
(1) كرخي.
(2) البحر المحيط.
(3) الشوكاني.