بواعظ يعظ الناسَ بلسانه دون عمله. قال في"الإحياء": أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: يا ابن مريم عِظْ نَفْسَك، فإن اتعظَتْ .. فعظ الناس، وإلا فاستحيي مني.
والمعنى: أي وما أريد بنهيي إياكم عما أنهاكم عنه من البَخْس والتطفيف أنْ أقصده بعد ما ولَّيْتم عنه فأستبدَّ به دونكم، مؤثرًا لنفسي عليكم، بل أنا مُسْتَمْسِكٌ به قبلكم.
{إِنْ أُرِيدُ} ؛ أي: ما أريد بما أباشره من الأمر والنهي {إِلَّا الْإِصْلَاحَ} ؛ أي: إلَّا أَنْ أصلحكم بالنصيحة والموعظة {مَا اسْتَطَعْتُ} ؛ أي: مِقْدَارَ ما استطعته من الإصلاح. قال في"بحر العلوم": (ما) مصدرية، واقعة موقع الظرف؛ أي: ما أريد بالأمر والنهي إلا الإصلاح لكم، ودَفْعُ الفساد في دينكم، ومعاملاتكم مدةَ استطاعتي الإصلاحَ، وما دمت متمكنًا منه لا أترك جهدي في بيان ما فيه مصلحة لكم. وفي ذلك [1] إيماءٌ إلى إثبات عقله، ورشده، وحكمته، وإبطال لتهكمهم، واستهزائهم بتلقيبهم إياه بـ {الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} . {وَمَا تَوْفِيقِي} ؛ أي: وما كوني موفَّقًا هاديًا نبيًّا مُرْشِدًا {إِلَّا بِاللَّهِ} ؛ أي: إلَّا بتأييد الله سبحانه، وإقداري عليه، ومَنحي إياه، وهو مصدر من المبني للمفعول؛ أي: وما كوني موفَّقًا لتحقيق ما أقصده من إِصلاحكم. {إِلَّا بِاللَّهِ} ؛ أي: إلا بتأييده ومعونته، بل الإصلاحُ من حيث الخلق مستندٌ إليه، وإنما أنا من مباديه الظاهرة، والتوفيق [2] يتعدَّى بنفسه، وباللام وبالباء، وهو تسهيل سبل الخير، وأصله موافقةُ فعل الإنسان القدرَ في الخير، والاتفاق هو: موافقةُ فعل الإنسان خيرًا كان أو شرًّا القَدَر. وقال في"التأويلات النجمية": التوفيقُ: اختصاص العبد بعناية أزلية، ورعاية أبدية، انتهى.
والخلاصة [3] : وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي، وما أَذَرُ
(1) المراغي.
(2) روح المعاني.
(3) المراغي.