إذ كانوا على طبق واحد من سوء الأخلاق، وتكذيب الرسل، وكثرة سؤالهم لأنبيائهم، والشكِّ، والارتياب فيما أتوهم به، ويحتمل أن يكون الخطاب لأسلافهم الذين فعلوا ذلك، وسياق الآيات يدلُّ عليه. والهمزة [1] فيه للاستفهام التوبيخيّ داخلةٌ على محذوف، والفاء عاطفة لجواب كلّما على ذلك المحذوف؛ لأنَّ حقَّ الهمزة والفاء أن يدخلا على الجواب؛ أي: ألم تطيعوهم؟ فكلَّما جاءكم رسول {بِمَا لَا تَهْوَى} ولا تريد {أَنْفُسُكُمُ} ولا يوافق هواكم من الحق الذي لا انحراف عنه {اسْتَكْبَرْتُمْ} ؛ أي: تكبَّرتم، وتعظَّمتم عن الاتباع له، والإيمان بما جاء به من عند الله، واستفعل هنا بمعنى: تفعَّل، وهو أحد معاني استفعل، وفسَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكِبْرَ بأنَّه:"دَفْعُ الحقِ، وغَمْطُ الناس"؛ أي: إنكار الحقِّ، واحتقار الناس.
والمعنى: أدمتم يا معشر اليهود! على التكذيب، فاستكبرتم عن الإيمان كُلَّما جاءكم رسولٌ من الرسل بما لا تهوى، ولا تُحِبُّ أنفسكم؛ أي: استكبرتم عن الإيمان، ودمتم على التكذيب كُلَّ وقتٍ جاءكم رسولٌ منهم بالحقِّ الذي لا يوافق هواكم. {فَفَرِيقًا} ؛ أي: طائفةً منهم {كَذَّبْتُمْ} كعيسى، ومحمدٍ عليهما السلام، والجملة معطوفة على قوله: {اسْتَكْبَرْتُمْ} ؛ أي: فنشأ عن الاستكبار مبادرتهم فريقًا من الرسل بالتكذيب فقط، حيث لا يقدرون على قتله، ولم يتمكَّنوا منه {وفريقًا} منهم {تَقْتُلُونَ} كزكريا، ويحيى، وغيرهما عليهم السلام؛ أي: وفريقًا منهم بادروه بالقتل إذ قدروا على قتله، وتهيَّأ لهم ذلك، ومعلوم [2] أنَّ من قتلوه فقد كذّبوه، واستغنى عن التصريح بتكذيبه؛ للعلم بذلك، فذكر أقبح أفعالهم معه، وأجاز أبو القاسم الراغب أن يكون {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} معطوفًا على قوله: {وَأَيَّدْنَاهُ} ويكون قوله: أفكُلَّمَا مع ما بعده اعتراضًا بينهما على سبيل الإنكار، والأظهرُ في ترتيب الكلام الأوّلُ، وهذا أيضًا محتملٌ. وقدَّم المفعول وأخر العامل في قوله: {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} ؛ ليتَواخى رؤُوسُ الآي، وثَمَّ محذوف،
(1) العمدة.
(2) البحر المحيط.