فهرس الكتاب

الصفحة 1233 من 2991

الصيام عبادة خالصة بين العبد وربه، ولذا فإنه يربي في المسلم الخوف من الله - تعالى - ومراقبته والتطلع لثوابه، إذ بإمكانه أن يُظهر الصيام أمام الخلق وهو غير صائم أصلًا، سواء أكان عن طريق تناول شيء من المفطرات، أو بمجرد فقدان النية، وإن أمسك عنها طوال النهار، وفي ذلك من ظهور صدق الإيمان وكمال العبودية وقوة المحبة لله - تعالى - ورجاء ما عنده ما جعل جزاء الصيام عند الله - تعالى - أعظم من جزاء جل العبادات، قال الله - تعالى - في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله عزوجلّ، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي..) (4) . قال ابن القيم: (والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم) (5) .

* لمّ شعث القلب، والتفكر في ملكوت الله - تعالى:

لما كان فضول الطعام والشراب والكلام والمنام ومخالطة الأنام مما يزيد القلب شعثًا ويشتته في كل وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله - تعالى -، أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة الله - تعالى - بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات وشرع لهم من العبادات أثناءه من اعتكاف وقيام ودعاء وتلاوة قرآن ما يذهب فضول الكلام والمنام ومخالطة الأنام. ولذا صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (الصوم جنة وحصن حصين من النار) (6) بل عده حصنًا للمؤمن، وذلك لكونه:

-كاسرًا للشهوة ومضعفًا لها، قال: (خصاء أمتي الصيام) (7) ، وقال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (8) .

-ومضيقًا على الشيطان مجاريه بتضييق مجاري الطعام والشراب قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) (9) ، فتسكن بذلك وساوس الشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت