العبادات بشكل عام ، والصوم منها بشكل اخص ، وهي مواسم للمراجعة ، والتجدد ، واستعادة الفاعلية ، والعودة إلى حالة التوازن ، التي تكاد تفتقد في غمرة الحياة ، بدوافعها ونوازعها. هي مراكز للتدريب العملي ، على المعاني الإسلامية ، ضمن مناخ جماعي ملائم ، يعين الفرد على التكيف ، ويغريه بالاقتداء ، والمشاركة في الإنجاز ، ولكل عبادة في ذلك وظيفتها ، ودورها في بناء الشخصية المسلمة ، ولا تغني في ذلك عبادة عن أخرى.
فللصلاة وظيفتها ، ودورها في إيقاظ الوازع الداخلي ، واستمرار الرقابة اليومية ، والمساهمة بالاستقامة ، والنهي عن الفحشاء والمنكر.
وللزكاة دورها في معالجة نوازع التملك ، وحب الأثرة ، ومغالبة الشح ، وتطهير النفس من غوائله ، وتطهير المال من حق الغير ، وتطهير المجتمع من الفقر ، وزيادة المال ونمائه ، وغالبًا ما تعالج الزكاة حالة نفسية ومالية واجتماعية ، تتلبس بالإنسان ، أو تحاول السيطرة عليه ، إذا ما ملك النصاب ، لذلك لم تفرض إلا على الأغنياء.
والحج عبادة العمر ، ولو لمرة واحدة هي تعني ، فيما تعني ، إسقاط حواجز الزمان والمكان ، والعودة إلى المنطلق ، وأرض النبوة ، والحياة في منزل الوحي ، والتمحور حول أول بيت ، وضع على التوحيد ، حيث يحس الإنسان بعمق الجذور التاريخية ، والبعد الخالد لحياته ابتداء بأبي الأنبياء ، الذي يحاول التمسك بطريقته الحنيفية السمحة ، وامتدادًا إلى الخلود في الآخرة ، وأهم من هذا وذاك: الولادة الجديدة وامتلاك القدرة على تجاوز الماضي ، بكل أخطائه وانحرافاته ، ( فمن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) . [ متفق عليه ] .
إنها الولادة الجديدة ، والاستئناف ، والتجاوز ، والانعتاق في البيت العتيق ، من قيود الماضي وأخطائه تلك الأخطاء التي تطارد الإنسان ، وتثقل كاهله ، وتقض مضجعه.