فهرس الكتاب
ماذا بعد رمضان
الخطبة الأولى
أما بعد: أيها المسلمون، ها نحن نودع رمضان، ولم يبق منه إلاّ ساعات قلائل. نعم، بالأمس القريب كان معنا، كنا نستنشق عطره، ونسعد في أفيائه، ونتقلّب في ضروب نعمائه. بالأمس القريب كنا نغترف من بركاته، ونخوض في بحار حسناته، ونرجع كل ليلة بجرّ الحقائب بما حملنا من خيراته. بالأمس القريب كنا نقطف من روضه زهور الإيمان، ونجد في رحابه الأنس والاطمئنان، كانت تحلق فيه الأرواح، وتطير من غير ما جناح. واليوم، أين هو شهر رمضان؟ ألم يكن منذ لحظات بين أيدينا؟ ألم يكن ملء أسماعنا وأبصارنا؟ ألم يكن هو حديث منابرنا، زينة منائرنا، بضاعة أسواقنا، مادة موائدنا، سمر أنديتنا، حياة مساجدنا، فأين هو الآن؟ أين حرق المجتهدين في نهاره؟ أين قلق المتهجّدين في أسحاره؟ أين خشوع المتهجّدين في قيامهم ورقة المتعبدين في صيامهم؟ أين أقدامٌ قد اصطفت فيه لمولاها؟ أين أعين جادت فيه بجاري دمعها؟ أين قلوب حلّقت فيه بجناحين من خوف ورجاء وسارعت إلى مرضاة ربها تلتمس النجاء؟ أين أيام كانت حياة للحياة وليال كن قلائد في جيد الزمان؟ لقد تولّت كما تولّى غيرها، وتقضّت بما فيها، ولم يبق إلا الندم والأسى.
تذكرت أيامًا مضت ولياليا خَلتْ فجرتْ من ذكرهنّ دموعُ
ألا هل لَها يومًا من الدهر عودةٌ وهل لِي إلى يوم الوصال رجوعُ
وهل بعد إعراض الْحبيب تواصلٌ وهل لبدور قد أفلن طلوعُ