فهرس الكتاب
أتَذكُر ـ أيها الأخ الحبيب ـ سويعات كانت من الصفاء أصفى ومن الشّهد أحلى؟! أما يحنّ فؤادك إلى دمعات كنتَ سكبتها وعبرات من خشية الله قد أذريتها؟! أما يهتزّ قلبك شوقًا إلى لحظات صَفَت فيها نفسك وحلّقت روحك، حتى كأنك تجاوزت الأرض وترابها وتنشّقت روائح الفردوس وعطرها؟! أما يعظم أسفك على أيام رفعت فيها يديك مناجيًا مولاك، فأطرق رأسك ذُلاًّ واغرورقت بالدمع مُقلتاك؟! لقد مضى ذلك كله، وطوي بساطه، ومرّ كأن لم يكن، وعاد ذكرى في النفس بعد أن كان واقعًا يشهده الحسّ، وبقيت في النفس حزازاتُ أسى وألم على فراق راحل عزيز.
أترحل لا الصحب منك ارتووا ولا امتلأت منك المُقلتان
أترحل والقلب بعد مشوق له لغة من هوى وحنان
فيا لفؤادي إذا حركته رؤى ذكريات لطاف حسان
وأصداء ماض تولّى حبيب وأطياف شهر طواه الزمان
أيها المسلمون، لقد كان ما كان وانقضى الشهر، وخرج الناس من رمضان وهم فريقان: فريق نصح فيه لنفسه وقام بحق ربه، فصامه إيمانًا، وقامه احتسابًا، وتحرّى فيه مراضي مولاه، وتجنّب مظانّ سخطه، لم يفرط في دقائقه، ولا أرخى لنفسه زمام هواها، قد اغتسل فيه من ذنوبه، وتطهّر من أوزاره، وخرج منه يترنّم:
اليوم ميلادي الجديد وما مضى موت بُلِيت به بليل داجي
إني سريت إلى الهداية عارجًا يا حسن ذا الإسراء والمعراج
وفريق آخر تمنى على الله الأماني، وأتبع نفسه هواها، فأمضى نهاره في سهو وليله في لهو، أطلق لبصره العنان، وأرهف سمعه لمساخط الديان، لم يرع للشهر حرمته، ولا عرف له حقّه، وكم نُصِح فما قبل النُصح، ودُعِي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح، شَاهَد الواصلين فيه وهو متباعد، ومرّت به زمر السائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاق به الوقت وخاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم، وطلب الاستدراك في وقت العدم، وهيهات هيهات.