فهرس الكتاب
يعتقد كثير من الناس أن شرعية العيد بعد رمضان عبارة عن الفرح بخروجه و التخلص منه، لأنه يحول بينهم و بين ملذاتهم و مشتهياتهم، و يفطمهم عن عاداتهم النفسية التي مرنت عليها نفوسهم، و اعتادتها أهواؤهم طوال العام، فهم يعتبرونه شهر جبس و حيلولة بينهم و بين ما يشتهون، و قد يستشهد بعضهم بقوله تعالى: (( و حيل بينهم و بين ما يشتهون ) ) (سبأ:54) .
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم آخر شعبان قال: و لربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، و لهذا يقولون هي أيام توديع للأكل، و تسمى تنحيسًا و اشتقاقه من الأيام النحسات.. و ذكر أن أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، و هذا كله خطأ و جهل ممن ظنه، و لربما لم يقتصر كثير منهم على الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، و هذا هو الخسران المبين، و أنشد لبعضهم:
إذ العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار
و لا تشرب بأقداح صغار فإن الوقت ضاق على الصغار
و قال آخر:
جاء شعبان منذرًا بالصيام فاسقياني راحًا بماء الغمام
و من كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، و له نصيب من قوله تعالى: (( و لقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ) ) (الأعراف:170) الآية، و ربما تكره كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، و كان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعرًا:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهرًا بعده آخر الدهر
فلو كان يعيني الأنام بقدرة عن الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، و مات قبل أن يدركه رمضان آخر.