فهرس الكتاب

الصفحة 1446 من 2991

رمضان في طفولتي!

الشيخ علي الطنطاوي

هذا المقال في الأصل حديث إذاعي، ألقاه الأديب الفقيه الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - من إذاعة دمشق قبل أكثر من اثنين وأربعين عامًا... ويقارن فيه شهر الصوم الذي عرفه في طفولته، وشهر الصوم عام 1377هـ (1975) عندما أذيع حديثُه.

هذا الحديث عن رمضان، وفي رمضان النور والعطر، وفي رمضان الخير والطهر، وفي رمضان الذكريات الكثر، ففيه نزل الذكر، وفيه ليلة القدر، وكان فيه نصر بدر، وفي آخره عيد الفطر.

ورمضان نور على المآذن ونور في القلوب، ورمضان صوم عن الطعام، وصوم عن الحرام.

إن كانت الحياة تنازعا على الحياة، فهذا الشهر إدراك لسر الحياة، وإن كان العمر كله للجسم، فهذا الشهر للروح، وإن كانت الدنيا للتناحر والخصام، فهذا الشهر للحب والوئام.

هذا هو رمضان الذي أبصرت وجهه من كوة الطفولية فأحببته، ورأيت أثره الخير في كل مكان في دمشق، فأكبرته، ثم لم أعد أراه أبدًا، فعلمت أني قد افتقدته واضعته.

عن رمضان الذي عرفته لم يعد يتردد على دمشق. إن هذا رمضان جديد، يحمل اسم رمضان الأول، الذي رأيته أول مرة منذ أكثر من أربعين سنة، ولكنه ليس ذلك الـ (رمضان)

رمضان القديم كان يغمر أرجاء دمشق كلها، فكنت تحس به حيثما سرت. تراه في المساجد الممتلئة بالمصلين والقارئين، والملتحقين حول كراسي المدرسين، وتراه في الأسواق، فلا تجد عورة بادية، ولا منكرا ظاهرا، ولا مطعمًا مفتوحًا، ولا مدخنًا ولا شاربًا، وتشتري البضاعة وأنت آمن من الغش والغبن؛ لأن أفسق البائعين لا يغش في رمضان، والمرأة تعمل مطمئنة إلى أنها مهمتا أخطأت فلن تسمع من زوجها كلمة ملام، لأن المسلم الصائم لا يشتم، ولا يلوم في رمضان، والرجل يجيء إلى بيته وهو آمن أن يجد من زوجه نكدًا أو إساءة، لأن المرأة الصائمة لا تؤذي زوجها في رمضان، ولو تركت بابك مفتوحًا لما دخل المنزل لص؛ لأن اللصوص يضربون عن العمل ويتوبون عن السرقة في رمضان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت