أما رمضان الجديد، فلا تعرفه هذه الشوارع الجديدة والأحياء الحديثة، ولم يعرف ـ بعدُ ـ الطريق إليها، ودمشق القديمة لم يعد يستطيع أن يسيطر عليها، فالمساجد مملوءة بالمفطرين، والصائمون تسوء أخلاقهم في رمضان من الجوع وشهوة الدخان، والشياطين تُصفد في رمضان، لكن الفساق ينطلقون عاملين فيه كما كانوا يعملون قبل رمضان.
ولقد كان أشد الناس بعدًا عن الدين إذا سمع مدافع رمضان تاب وأناب إلى الله، ونزع نفسه الآثمة واستبدل بها نفسًا زكية متعبدة، كما ينزع ثوبه الوسخ ويستبدل به ثوبا نظيفا، والبيوت التي كان يسودها الخصام تتحول في رمضان إلى دور أمن وسلام والمدينة تصير كلها أسرة واحدة، أو مدرسة داخلية يأكل الناس فيها في وقت واحد، وينامون في وقت واحد، ويقومون في وقت واحد.
إذا دنت ساعة الغروب رأيت الناس ـ جميعًا ـ مسرعين إلى بيوتهم، وهذا يحمل صحن الفول المدمس، وهذا يحمل الجرادق، والبرازق، وتكون المائدة منصوبة حتى إن أفقر الناس يجد في رمضان فطورًا شهيًا، لأن كل صائم في رمضان يتفقد جيرانه ومن حوله، فلا يأكل هو الطعم الطيب، والألوان الكثيرة، وجاره لا يجد الخبز والجبن.
وتصطف الأسرة كلها حول المائدة، يجمعها شعور واحد، شعور يجمع الغني والفقير، والأمير والأجير، هو الجوع، أغنى الناس يشتهي قبل المغرب ملعقة من حساء أو رشفة من شراب. والأولاد يقفون على الشرفات، أو على جوانب الطرق، فإذا رأوا مصباح المنارة، أو سمعوا المدفع، صاحوا بنغمة موزونة ولحن موقع: أذّن. أذّن. أذّن. وطاروا إلى بيوتهم كما تطير العصافير إلى أعشاشها إذا رأت طلائع الليل، وتخلو الطرق، وتهدف الأصوات ثم ترتفع من كل مكان، من الكوخ ومن القصر على السواء، كلمة: الحمد لله، كلهم شبع، وكلهم رضي، وكلهم شكر، الذي أكل السبعة الألوان والذي أكل الخبز والمسبحة والفول.