ثم يمضي الرجال إلى المساجد؛ ليصلوا التراويح، أو يصبّوها مع أهليهم وأولادهم، وتكون الأسواق مضاءة، والأولاد مزدحمين فيها، على بائع المثلجات إن كان الوقت صيفًا أو بائع الفول النابت. ومن أراد لهوا لم يجد إلا الحكواتي يقص قصة عنتر - وكلها بطولة ونبل -، لا كهذه القصص الآثمة الداعرة التي تغضب الكلاب ولو وصفت مجتمعاتها بمثل ما وصف به المجتمع الأمريكي في قصة"الطريق التبغ"التي طبعت من سنين قليلة عشرين مرة، وبيع ملايين، أو الكراكوزاتي..
فإذا مضت ساعة بعد صلاة العشاء، انطفأت الأضواء، وخلت الأسواق وانصرف الناس إلى دورهم ليناموا، والمسحر لا يجيء إلا في وقت السحور، لا يجيء نصف الليل، ليوقظك من نومك، ويقرع بطبلته رأسك، كما يفعل الآن، وأنت مجبر أن تقول له أشكرك، وتدفع له أجرته على أنه كسر دماغك وحطم أعصابك، ولم تكن هذه الإذاعات التي لا تسكت لحظة في رمضان، ولا كانت في البيوت هذه الأجهزة الشنيعة، مصيبة المصائب الراد (الراديو لأنه يرد الصوت المنتشر في الفضاء) الذي تستطيع كل امرأة جاهل، وكل ولد لعاب أن يزعج به مئة بيت، ولا يكلفه ذلك إلا أن يمد إصبعه وهو نائم فيدير زره أنملة (سانتي متر) فيدخل الداء العصبي على كل ما سكن هذه البيوت، ويهرب رمضان المسكين بتأمله وخشوعه وطهره.