فهرس الكتاب

الصفحة 2406 من 2991

فكل عبادة في بناء الإسلام دورها ، وأهميتها ، ووظيفتها ، في بناء الشخصية المسلمة ، والاستمرار في استقامتها ، وحراستها من غوائل الشيطان ، ولو كان الأمر على غير ذلك ، لكانت إحدى العبادات كافية ومغنية عن كلها.

فالتقوى أو الوقاية الحضارية والنفسية ، والمالية ، والاجتماعية ، والتاريخية ، وجميع أنواع الوقاية ، مركوزة في العبادات ، التي هي في الحقيقة ، وسيلة للارتقاء بالإنسان وحماية إنسانيته ، أو استعادتها ، وليست قهرًا للنفس ، ومشقة وعنتًا للجسم.

إنها وسائل لتهذيب الإنسان ، وليست أدوات لتعذيبه ، وتكليفه بما لا يطيق ، فالمشقة تجلب التيسير ، وإن مع العسر يسرًا ، وإذا عزم الأمر ، واشتد التكليف ، جاءت الرخصة ، لذلك لا بد من تصحيح الفهم للعبادة ، وتصحيح الوسيلة في الدعوة إليها ، وحمل المكلف على إدراك معانيها وأهدافها.

ولا شك أن عبادة الصيام ، تتمحض لبناء الوقاية ، وتحقيق التقوى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة: 183 ] .

ولقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصيام بوظيفته فقال: ( الصيام جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل ، فإن امرؤ شاتمة أو قاتله ، فليقل إني صائم ) [ متفق عليه ] . والجنة الوقاية. والوقاية هنا ليست فلسفة باردة ، ونظرية تقتنع العقل ، وترضى النفس بعيدًا عن السلوك والتدريب ، وإنما هي الدرس العلمي والتدريب العملي ، الذي يمتد بالإنسان شهرًا كاملًا ، كل عام ، يتعود من خلاله الصبر على الحاجات والشهوات ، ويمسك من خلاله عن الخلال السيئة ، والعادات الشائنة ، ويتحلى بحسن المعاملة ، والدفع بالتي هي أحسن ، فإن سابه أحد أو خاصمه ، فليقل إني صائم ، حتى يتعود ذلك الخلق ، ويكسب تلك المعاني ، فتصبح بعد شهر من التدريب ، سجية له ، وجزءًا من تكوينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت