فهرس الكتاب
عباد الله، إن الصيام أهم شعيرة سنوية تحل بالمسلمين كمحطة للمراجعة والتوبة والإنابة وطلب الغفران، أراده الله ليكون مناسبة لمراجعة النفس ومواجهتها، وردِّها إلى فطرتها وأصل خِلقتها، والعودة بها إلى رحاب الله، وإلى كنفه وهداه مع أهل الله، ولتتذوق حلاوة الإيمان، ولترقى في مدارج الإحسان، ولتُحِس بعزة العبادة ولذتها، بعد مرارة المعصية وذلة الخضوع للهوى وللشيطان، ويكفي من شرف هذا الشهر المبارك وفضله أن من صامه وقامه بإيمان وإحسان وإتقان مُحِيت صفحاته السوداء، وفُتِحت له صحيفة نقية بيضاء، وسَطَع له في الملأ الأعلى نور وأضَاء، يقول المصطفى الكريم عليه صلوات وتسليمات الله: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه ) )رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة، وقال: (( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه ) )رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن أبي هريرة.
في رمضان ينادي منادي الله بنداء لطيف مُشفِق حانٍ: يا أيتها الأنفس الشاردة، ارجعي إلى ربكِ، وعودي إليه، وادخلي في صف عباده الصالحين، لتدخلي جنته مع الداخلين، ولتنعمي مع من: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء:69، 70] . والله الكريم المنان ذو فضل على الناس ـ كل الناس ـ وعلى المؤمنين بوجه خاص، ففي رمضان يُغلِّق أبواب جهنم جميعًا، ويُفتِّح أبواب الجنان جميعًا، ويقيّد الشياطين ويسلسلهم، ويحرك الأنفس للطاعات، ويكلف من ينادي: (( يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر ) )رواه الحاكم عن كعب بن عُجْرَة وقال:"صحيح الإسناد".