فهرس الكتاب
ثم هاهو النبي - صلى الله عليه وسلم - يلقى ابن مسعود فيقول له: ( اقرأ عليَّ القرآن ) فيقول: أقرأ عليك وعليك أُنزل يا رسول الله ؟ قال: (نعم فإني أحب أن أسمعه من غيري ) فقرأ عليه ابن مسعود من أول النساء حتى إذا بلغ قول الحق - جل وعلا- { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا * يومئذٍ يودُ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا } قال ابن مسعود: فقال لي: ( حسبك .. حسبك ) فنظرت فإذا عيناه - صلى الله عليه وسلم - تذرفان بالدموع . وفي حديثٍ آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي أبيَّ ابن كعبٍ فقال له: إني أمرت أن أقرأ عليك قل يا أيها الكافرون . قال أو قد سمَّاني الله لك . قال: نعم فبكى أبيّ ابن كعب من هذه الفضيلة العظيمة ، وهذا الشرف العظيم الذي كان له بفضل الله - جل وعلا - ثم بفضل ما حمل من القرآن وأتقن منه .
هكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم -متعلقًا في التلقي ، يعلِّم أصحابه .. يسمع منهم ، يتدارسه معهم ، يحيي به هذه الحياة كلها. ثم إن النبي - عليه الصلاة والسلام - ربط أصحابه والأمة من بعدهم بهذا القرآن ربطًا وثيقًا قويا، حتى لا تنفصم عرى صلتهم به ، وحتى لا يضعف تلقِّيهم له ، فلذلك جعل الخيرية المطلقة في هذه الأمة مرتبطةً بكتاب الله - عز وجل- كما في صحيح البخاري من حديث عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ( خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه ) .