لقد كان رمضان الذي يجيء دمشق من أربعين سنة رمضان حقيقيا، وما أدري أمات وجاء غيره، أم قد شاخ وعجز أن يطوف دمشق كلها فصار يثبت وجوده في المفكرة والتقويم وفي أضواء المآذن ومدافع القلعة فقط، فقط لا غير، أم أنا الذي تغير وتبدل؟ كنت أنظر قبل أربعين سنة بعين صبي لم يقترف إثمًا. فكنت أرى رمضان، فلما أثقلت الآثام أجفاني لم أعد أراه!
وكان أهل دمشق في مثل طهارة الأطفال، لم تشوه أصباغ الحضارة طبيعة الحسن في نفوسهم، ولم تفسد الشبه والعصبيات جمال الأخوة بين أفرادهم، ولم تكن قد هتكت أستار الصيانة، ولا مزقت براقع الحياء، كانت المرأة لزوجها وولدها وربها، والرجل لزوجته وولده وربه، فكانوا يرون رمضان كلهم. يرون هلاله في الأفق، ونوره في القلوب، وأثره في البيوت والأسواق والمدارس والمساجد، يشعرون ـ حقا ـ أن قافلة العمر كانت تمشي بهم في صحراء مجدبة، فإذا كان رمضان مشت في الواحة التي تعقب بريّا الأزاهير وترقص على أنغام الشحارير، فيكون من ذلك أنس للنفس وراحة للروح.