بين لهو الحياة ولغوها، وفي غمرة خطوبها وأحداثها، ووسط سعير صراعها وهجير مطامعها، يشعر المرء بأنه في حاجة إلى ملاذات يتوب إليها، ويتفيَّأ ظلالها، ويأخذ الأهبة، ويعدّ العدة لتجديد العزم، وشحذ الهمة، وتقوية الإرادة، حتى يمضي على الطريق موفورَ الحظ من التوفيق، سالمَ الخطى من العِتْار، بالغًا المرام، وإذا كانت القوة للمسلم زادًا لا غناء له عنه، ورصيدًا لا مناص له منه؛ لأنه عونٌ على الحق، وسبيل إلى التمكين، وطريق إلى الظفر، وباب إلى رضوان الله ومحبته، كما أخبر رسول الله في الحديث بقوله: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ) ) [أخرجه مسلم في صحيحه] (1) [1] ، فإن مما لا يرتاب فيه أولو النهى أن كلَّ ما تتحقق به هذه الغاية يتعين الأخذ به، والدأب في طلبه، ولقد كان من وافر نِعَم الله السابغة أن هيأ لعباده من فرص العمر ومواسم الخير ما يبلغ بهم إلى هذا المراد، وإن فرصة الصيام وموسم رمضان هما في الطليعة من هذه الفرص والمواسم التي يجب على أولي الألباب اغتنامها، والسعي الحثيث إلى اهتبالها، فإن في الصيام مجالًا رحيبًا ومضمارًا واسعًا لإعداد لبنات القوة في مختلف ميادينها ودروبها، فالإمساك بالنهار عن الأكل والشرب والشهوة، وما يصحبه من صبر على رهق الحرمان ومرارة الفقد، وإحياء الليل بالقيام في صبر على نصبه واستدامة على ذلك تنتظم أيام هذا الشهر ولياليَه إلى منتهاها، كل أولئك من أظهر عوامل الدربة على تقوية الإرادة في تغيير هو مطمح أولي الأبصار، ومبتغى الذين أخبتوا إلى ربهم، وابتغوا إليه الوسيلة بكل سبيل، إنه تغيير في المسار، وتصويب في المسلك، فمن ذُلِّ الخطيئة إلى عِز الطاعة، ومن مهابط العجز والكسل إلى ذُرا الجدّ والعزم، ومن أدران العوائد المقبوحة والسنن المنكورة إلى طُهر وطيب العوائد القويمة والسنن الجميلة والخصال الجليلة.