وتلفتت النظرات منه قبل الكلمات، وكأنها تعانيها بصمت الشفاه: أو َقضينا أحد عشر شهرًا دون أطعمة وأشربة، وحلويات؟!.. ما الذي تفكرين به؟ ألا تعلمين قدراتنا المادية والتي نقسهما على حاجاتنا فنكون وإياها رأسًا برأس؟ كل هذا والفم مطبق على ما في القلب من الكلمات المتلهبة، وصاحبه يخشى أن يطلقها فتلهب جو الحب، وتخدش مهجع الوداد، الذي طالما حدب على بنائه، كعش الوَرْوَرْ المزين، فوق غصن رطيب.
لم تمهله كثيرًا، بل أرسلت إلى أذنه نغمات ما تعودها!! ولا ألِف حدتها!! ولا صرامتها!! لكنها ما أخرجته عن هدوئه الحازم؛ بل ناداها، وبكنيتها؛ ليؤكد لها رباط الأسرة الذي لا تفصم عراه! مصروفات رمضان المتكلفة، والأمل يترقرق بين حروف ندائه: يا أم.. رمضان شهر العبادات، لا شهر الشهوات! رمضان يريحك من عناء تحضير وجبة كاملة، هي الغذاء، ويقوم السحور مقام الفطور، والإفطار مقام العشاء، وبما أن الوجبات قد نقصت تلك الوجبة ينبغي أن توفر الأسر المسلمة الحقة ثلث المصروف المعتاد!
صاحت عيناها قبل شفتيها! بل شفتاها قبل عينيها!! لم يعد يدري!! الحلويات.. والعصيرات، والوجبات الرمضانية،... معًا صارا يرددان تلك الكلمات ثم يسود الهدوء، ليقول: يا حظ الباعة، والتجار!! يأخذون المكسب، والناس يلقون كثيرًا مما تقولين حيث تعلمين! ولو حسبنا ما يُتلف في رمضان من المواد الغذائية غير الضرورية لوجدناه يكفي أمة من المسلمين الجائعين في تلك الأصقاع الفقيرة! أليس هذا تبذير سيُسأل الناس عنه؟ ألم يقرأ الناس قول الباري: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا) .
ألم تسمعي أيتها الأسرة المسلمة صوت رمضان وهو يصيح: شهر العبادات، وشهر التسامح، وشهر صلة الأرحام، وشهر القرآن و... فلا تغير العبادات بالشهوات، والقرآن إلى نشاطات لا يربطها بالقرآن رابط، والتسامح إلى خصومات، وصلة الأرحام إلى قطع ما أمر الله به أن يوصل!