فهرس الكتاب
عباد الله، للصائم فرحةٌ عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، فرحة في الدنيا العاجلة، وفرحة في الآخرة الباقية، لمن داوم على العبادة والطاعة، حيث ينال المتعة الكبرى والنعمة العظمى، ألا وهي الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكأني بأقوام من بيننا سينادون: كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئًَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] ، وينادون: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] ، تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا [مريم:63] ، جعلني الله وإياكم من أهلها.
هؤلاء رُفع لهم عَلَم الجنة فشمَّروا إليه، ووُضِّح لهم طريقها فاستقاموا عليه، علموا أن الربح كل الربح إذا حشروا إلى الرحمن وفدا، فوقفوا اللحظات والسكنات ووجيف القلوب والأنفاس على الجنة أن يدخلوها، فنالوها جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَانُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم:61] .
إنها جنات إقامة دائمة، لا كجنات الدنيا، وقد وعد الله بها المتقين، ووعد الله لا يخلف، فهم آتوها لا محالة. هي الجنة التي إذا غمس فيها العبد غمسة واحدة زال بؤسه، ونسي همّه وغمّه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ، وفيه: (( ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيُصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟! هل مر بك شدة قط؟! فيقول: لا والله، يا رب ما مرّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط ) ) (4) [4] .