أيها الأخوة المؤمنون، ليكن أول ما تفهم هذه النفس الأمارة، هو أن رمضان وإن انتهى فمواسم الخير لا نهاية لها، وما رمضان إلا مدرسة يتدرب فيها من وفقه الله على فعل البر ومجالات الخير، وهذه ـ أيها الأخوة ـ فائدة من فوائد شهر رمضان الكثيرة، ولذلك تجد الذين وفقوا للقبول في شهر رمضان، يتابعون ما اعتادوا عليه، ويستمرون على فعل الطاعات وما يقربهم لخالقهم جل وعلا.
أما ـ والعياذ بالله ـ الذين لم يوفقوا للقبول في شهر رمضان، الذين رغمت أنوفهم، كما في الحديث المعروف، تجد أن عهدهم بالطاعات، انتهاء شهر رمضان، بل لم يستريحوا، ولم يهدأ لهم بال، حتى جعلوا رمضان وراء ظهورهم، فهجروا طاعة ربهم، وعادوا إلى ما كانوا عليه قبل رمضان، بل عادوا أسوأ من ذلك ـ والعياذ بالله.
أيها الأخوة المؤمنون، فلنعود أنفسنا على ما اعتادت عليه في رمضان، ولنشعرها بأن ما كانت تعمل في رمضان، مشروع في غير رمضان، ومتى ما عملناه فإن الله يقبله، ويثيبنا عليه، ويرفع درجاتنا بأسبابه.
فهذا القيام، الذي كنا نحرص عليه في رمضان، مشروع في غير رمضان، وهو ديدن الصالحين، وشرف عباد الله المؤمنين، يقول الله تعالى إخبارا عن سلف هذه الأمة: كَانُواْ قَلِيلًا مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17] ، ما الذي أسهرهم؟ متابعة القنوات الفضائية؟ لا. أسهرهم قيام الليل. ويقول تبارك وتعالى عنهم: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] .
تتجافى جنوبهم: يعني ترتفع وتنزعج عن مضاجعها اللذيذة، إلى ما هو ألذ عندهم منه وأحب إليهم، وهو الصلاة في الليل ومناجاة الله جل جلاله.
فقيام الليل مشروع حتى في غير رمضان، بل كان الرسول يحذر من تركه لمن اعتاد عليه، فقد جاءه عبد الله بن عمرو فقال له: (( يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل ) ).