ولهذا كانت أول صفة لهؤلاء الذين استحقوا الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والأزواج المطهرة والرضوان من الله؛ كانت صفة الصبر؛ والصبر هنا هو الصبر عن هذه الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وكل متاع الحياة الدنيا الزائل. وحين نتحدث عن الصبر عن مشتهيات النفس نتذكر يوسف - عليه السلام - وصبره عن مراودة امرأة العزيز. فقد كان هذا الصبر أكمل وأقوى من صبره على إلقاء أخوته له في الجُب، فلم يكن أمامه في الجب إلا الصبر، لأن الجزع لن يفيد في شيء وهو صبر اضطراري إن صبر صاحبه واحتسب فله الأجر والثواب وإن جزع ولم يصبر ظل في مصيبته وكان عليه الوزر لأنه لم يرض بقضاء الله، أما موقف يوسف - عليه السلام - مع امرأة العزيز فقد كان مخيرًا فيه، وقد أتيحت أمامه كل السبل؛ فالمرأة جميلة وهي الداعية إلى نفسها، وغلقت الأبواب، وقد غاب صاحب البيت، وقد كان شابًا عزبا ليس لديه ما يعوضه، مملوكًا وغريبًا، ومع ذلك هددته إن لم يفعل بالسجن أو يكون من الصاغرين (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) ، وقد جاء الرد يُعلِّم الأمة كيف يكون الصبر عن اتباع شهوات النفس (قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) ولما يصدق العبد ربه ويخلص في دعائه؛ يكن الفرج وسرعة الإجابة (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع البصير) .
إذا كان المسلم يخرج من شهر رمضان وقد تعود الصبر لمدة شهر كامل على طاعة الله والصبر عن مشتهيات نفسه، فالأولى بمن نذر نفسه ووقته للدعوة إلى الله أن يكون هذا الشهر زاده في الدعوة، فهو شهر (يشحن) الداعية فيه قلبه ونفسه بشحنة إيمانية تدفعه إلى الجد والمصابرة والعمل بقية العام.
وإذا كان أهل الباطل والشرك يتواصون بينهم على باطلهم والصبر عليه (وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد) .