وعند المغيب إخبات وانكسار، ودعاء وخضوع، لم يزل الخيال يحمل ذلك المنظر الزاهي، يعبر عن لوحة من الصدق في اللجأ، والإخلاص في العبودية، وأنت ترفع أكف الضراعة إلى ربك ومولاك، ومائدتك أمامك قبيل الأذان، تسأله العفو والصفح، وأنت تردد: اللهم لا تجعل حظي من صيامي الجوع والعطش.
فبشراك بشراك قول حبيبك صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد، عن جابر رضي الله عنه بسند جيد: (( لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان ) ) (3) [3] ولسان حالك:
أيامه: كوني سنين ولا ... ... تفني فلست بسائم منك
أما الليل، فما أدراك ما الليل؟! حين يرخي سدوله، تقبل بصفاء نفس، ونقاء قلب، لتصف الأقدام خلف الإمام، تصلي وتحيي الليل، تسمع القرآن فتطرب لسماعه، ما تمر بوعد إلا سألت، ولا وعيد إلا استعذت، ولا ثناء إلا أثنيت وسبّحت، لم تضجر ولم تسأم من طول قيام الإمام وقراءته، بل كنت ترجو المزيد، فلك التهنئة والتبشير، كما في المتفق عليه: (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه ) ) (4) [4] .
وإذا قضى الإمام قراءته وقام لوتره، رفعت يديك بتذلل وخضوع تؤمّن وترجو.
ومع هذا كله كنت لا تملك عينيك وأنت تسمع الآية أو الدعاء، فتسارع الدمعات على صفحات وجهك الطاهر، فلله درك يوم أن تفوز بظل الله حين يكثر العرق، ويعظم الزحام، وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق، فتدخل في تلك الزمرة الطيبة: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) )وذكر منهم: (( ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه ) ) (5) [5] .
وحين أَزِف الشهر على الرحيل، ودخلت عشره الخاتمة، خرجت في أعظم الأوقات، في الوقت الذي ينزل فيه الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا، فينادي وهو الغني عن طاعتك وعبادتك: (( هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ ) ) (6) [6] .