إن أهل الدعاء الموفقين حين يعُجُّون إلى ربهم بالدعاء، يعلمون أن جميع الأبواب قد توصد في وجوههم إلا بابًا واحدًا هو باب السماء. باب مفتوح لا يغلق أبدًا، فتحه من لا يرد داعيًا ولا يخيب راجيًا. فهو غياث المستغيثين، وناصر المستنصرين، ومجيب الداعين.
أيها المجتهدون، يجتمع في هذه الأيام أوقات فاضلة وأحوال شريفة. العشر الأخيرة، جوف الليل من رمضان، والأسحار من رمضان، دبر الأذان والمكتوبات، أحوال السجود، وتلاوة القرآن، مجامع المسلمين في مجالس الخير والذكر، كلها تجتمع في أيامكم هذه. فأين المتنافسون؟ فاجتهدوا بالدعاء رحمكم الله سلوا ولا تعجزوا ولا تستبطئوا الإجابة.
فيعقوب عليه السلام فَقَدَ ولده الأول ثم فقد الثاني في مدد متطاولة، ما زاده ذلك بربه إلا تعلقًا: عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:83] ، ونبي الله زكريا عليه السلام؛ كبر سنه واشتعل بالشيب رأسه ولم يزل عظيم الرجاء في ربه حتى قال محققًا: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيًّا [مريم:4] ، لا تستبطئ الإجابة يا عبد الله فربك يحب تضرعك، ويحب صبرك، ويحب رضاك بأقداره، رضًا بلا قنوط، يبتليك بالتأخير لتدفع وسواس الشيطان، وتصرف هاجس النفس الأمارة بالسوء، وقد قال نبيك محمد: (( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي ) ).
أيها الإخوة، ويجمل الدعاء وتتوافر أسباب الخير ويعظم الرجاء حين يقترن بالاعتكاف، فقد اعتكف رسول الله هذه الأيام حتى توفاه الله.
عجيب هذا الاعتكاف في أسراره ودروسه؟. المعتكف، ذكرُ الله أنيسه، والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجات الحبيب متعته، والدعاء والتضرع لذته.