فهرس الكتاب
رُبَّ عملٍ قليلٍ تُكثِّره النية، قد تتصدق بتمرة فيقيك الله بها حر النار، (( ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدّم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدّم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة ) ), تمرة تتقرب بها إلى الله عز وجل، ترجو ثوابه وتخاف عقابه، تنفقها في سبيل الله، تطعم بها جائعًا، تهديها إلى مسكين، تدخل بها السرور على مسلمٍ، هيَ عند الله عزّ وجلّ بميزانٍ عظيم.
يا أيها الغني، اعلم بأن الصدقة سبب لبركة المال ونمائه, سبب لحصول النعمة وتجددها من الله عز وجل، فما استُجلبتْ نعم الله عز وجل ولا استُدفِعت نقمه بمثل الإحسان إلى عباده.
واعلم ـ أيها الغني ـ أنَّ الصدقة لا تنقص المال، قال رسول الله: (( ثلاثةٌ أقسم عليهنّ, وأحدثكم بحديثٍ فاحفظوه: ما نقصَ مالٌ من صدقة, وما ظُلِم عبدٌ مظلمةً فعفا إلا زاده الله بها عزًا, وما فتح عبدٌ باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ) ). أنفق ـ أيها الغني ـ ولا تخش من ذي العرش إقلالًا، واعلم بأنّ الله عز وجل خزائنه ملأى، لا يغيضها عطاء، ويده سحّاء الليل والنهار، وهو أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.
ويا أيها الفقير، يا من قدِر عليك رزقك، اعلم أنّ رسول الله قال: (( من أنفق عدل تمرةٍ من كسبٍ طيبٍ ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ فإن الله يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فَلْوه ـ أي: كما يربي أحدكم حملًا أو فرسًا أو دابةً في بيته ـ حتى تكون مثل الجبال ) )، هذه التمرة التي تصدقت بها ترجو بها وجه الله عز وجل، حالك كحال الصالحين الذين قالوا: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [الإنسان:1-9] ، هذه التمرة تجدها يوم القيامة حسناتٍ كأمثال الجبال.