فعلَهم، وانبِغاءَهُ [1] منهم، وقدرتهم عليه.
وكُلُّ من له أدنى خبرةٍ بأحوال الشياطين والمجانين والمُتَّهمين، وأحوال الرُّسُل؛ يعلَمُ علمًا لا يُمَاري فيه ولا يشُكُّ -بل علمًا ضروريًّا، كسائر الضروريَّات- منافَاةَ أحدهما للآخر، ومضادَّته له، كمنافاة أحد الضِّدَّين لصاحبه، بل ظهورُ المنافاة بين الأمرين للعقل أَبْيَنُ من ظهورُ المنافاة بين النُّور والظُّلْمة للبصر.
ولهذا وَبَّخَ -سبحانه- من كَفَر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرُّسُل [2] ودعوة الشياطين [3] ، فقال تعالى: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) } ، قال أبو إسحاق:"المعنى: فأَيَّ طريقٍ تسلكون أَبْيَنَ من هذه الطريقة التي بَيَّنْتُ لكم؟" [4] .
قلت: هذا من أحسن الإلزام [5] وأَبْيَنه، أن تُبيِّنَ للسامع الحقَّ ثُمَّ تقول له: أَيْشٍ تقول خلاف هذا؟ وأين تذهب خلاف هذا؟! قال تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) } [المرسلات: 50] ، وقال تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) } [الجاثية: 6] ، فالأمر منحصِرٌ في الحق والباطل، والهُدَى والضلال، فإذا عدلتم عن الهُدَى والحقِّ، فأين العدل، وأين المذهب؟!
ونظير هذا قوله سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي
(1) في جميع النسخ: وابتغاءه، والصواب ما أثبته.
(2) في (ن) و (ح) و (ط) : الرسول.
(3) في (ز) : الشيطان.
(4) "معاني القرآن" (5/ 293) .
(5) في (ح) و (م) : اللازم.