في غاية الصقَالَة والصَّفَاء = جعل -سبحانه- هذه"الأجفان"متحرِّكَةً -جدًّا- بالطَّبْع إلى الانطباق، من غير تكلُّفٍ، لتبقى هذه [ح/113] المرآة نقيَّةً صافية من جميع الكُدْرَات [1] . ولهذا لما لم يخلق لعين الذُّبَابة أجفانًا؛ لا تزال تراها تنظِّفُ عينَها بيدها من آثار الغبار والكُدْرَات [2] .
فصل
وكما جعل -سبحانه-"العَينيَن"مؤذَيتين"للقلب"ما تَرَيانه، فتُوصِلانه إليه كما رَأَتَاهُ = جعلهما مرآتين"للقلب"، يظهر فيهما ما هو مُودَعٌ فيه من الحُبّ والبُغْضِ، والخيرِ والشَّرِّ، والبَلاَدَةِ والفِطْنَةِ، والزَّيغ والاستقامة.
فيُستَدَلُّ بأحوال"العين"على أحوال"القلب"، وهو أحد أنواع الفِرَاسَة الثلاثة، وهي: فراسة"العين"، وفراسة"الأُذُن"، وفراسة"القلب".
فـ"العين"مرآةٌ"للقلب"، وطليعةٌ ورسولٌ.
ومن عجيب أمرها أنَّها من ألطف الأعضاء، وأبعدها تأثرًا بالحرِّ والبَرْدِ، على أنَّ"الأُذُن" [3] على صلابَتِها وغِلَظِها لَتَتَأَثَّرُ بهما أكثر من تأثر"العين"على لطافتها. وليس ذلك بسبب الغطاء الذي [ز/108] عليها من"الأجفان"، فإنَّها ولو كانت مُنْفَتِحَةً لم تتأثَّر بذلك تأثَّرَ الأعضاء الكثيفَةِ.
(1) "الكُدْرات"جمع: كُدْرة؛ وهي نقيض الصَّفَاء."تاج العروس" (14/ 22) .
(2) في (ح) و (م) : الكدورات؛ في الموضعين، والمثبت من باقي النسخ.
(3) من (ك) ، وفي باقي النسخ: الذهن! وهو تحريف.