حال الرسول من كلِّ وجهٍ، بل حالهم من أظهر الأدلَّة على صدق الرسول.
ومن حكمة الله -سبحانه- أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود لِيُعْلَم حالُ الكذَّابين وحالُ الصادقين، وكان ظهورهم من أَبْيَنِ الأدلَّة على صدقِ الرُّسُل، والفرقِ بين هؤلاء وبينهم،"فبضِدِّها تَتَبيَّنُ الأشياءُ" [1] ،"والضدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضدُّ" [2] ، فمعرفة أدلَّةِ البَاطل وشُبَهِهِ من أنواع أدلَّة الحقِّ وبراهينه.
فلمَّا سمع ذلك قال: معاذَ الله؛ لا نقول إنَّه مَلِكٌ ظالِمٌ، بل نبيٌّ كريمٌ، من اتَّبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتَّبع موسى فهو كمن اتَّبع محمدًا!
قلتُ له: بَطَلَ كلُّ ما تُمَوِّهُون به بعد هذا [3] ؛ فإنكم إذا أقررتُم أنَّه نبىٌّ صادِقٌ؛ فلابدَّ من تصديقه في جميع ما أخبر به، وقد عَلِمَ أتباعُهُ وأعداؤُهُ -بالضرورة- أنَّه دعا النَّاس كلَّهم إلى الإيمان به، وأخبر أنَّ مَنْ لم يؤمن به فهو كافرٌ مخلَّدٌ في النَّار، وقاتَلَ من لم يؤمن به من أهل الكتاب، وأَسْجَلَ [4] عليهم بالكفر، واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم
(1) هذا عجز بيت للمتنبي"ديوانه" (127) ، وصدره:
ونَذيمُهُمْ وبِهِمْ عَرَفنا فَضْلَهُ
(2) وهذا عجز بيت لأبي الشيص الخزاعي"ديوانه" (128) ، وصدره:
ضِدَّانِ لما استجمعا حَسُنَا
(3) ساقط من (ز) و (ن) و (ك) و (ط) ، وأثبته من (ح) و (م) .
(4) أَسْجَل الكلام: أرسله، وأَسْجَل الأمر لهم: أطلقه.
والمعنى أنَّه أطلق عليهم وصف"الكفر"ورماهم به.
انظر:"لسان العرب" (6/ 181) ، و"التكملة والذيل والصلة" (6/ 133) .